قراءة في أفول المجلس الأعلى وبزوغ تيار الحكمة الذي لم يكتمل

قراءة في أفول المجلس الأعلى وبزوغ تيار الحكمة الذي لم يكتمل
انقسام المجلس الإسلامي الأعلى وولادة تيار الحكمة لم يؤدِّيا إلى تجديد حقيقي داخل البيت الشيعي، بل تسبّبا في إضعاف الطرفين وفتح المجال لقوى أخرى؛ الفرصة قائمة لإعادة التموضع عبر هيكلة داخلية وائتلافات استراتيجية....

•التحولات الكبرى بعد 2003

شهدت الساحة السياسية الشيعية في العراق واحدة من أكبر التحولات الحزبية بعد عام 2003، عندما انقسم المجلس الإسلامي الأعلى، أحد أبرز الأحزاب الشيعية التقليدية، إلى كيانين متنافسين.

كان المجلس، منذ تأسيسه على يد شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم (قده)، ثم قيادته من قبل السيد عبد العزيز الحكيم (قده)، يشكّل ركنا أساسيا في المعادلة السياسية الشيعية، وكان رقما صعبا لا يمكن تجاوزه في الحكومات الائتلافية والقرارات الكبرى.

غير أن هذا الثقل بدأ بالتآكل بعد وفاة السيد عبد العزيز الحكيم، لتنتقل القيادة إلى نجله السيد عمار الحكيم، الذي حاول تحديث خطاب المجلس وواجه تحديات في ضبط التوازن بين الإرث التقليدي ومتطلبات العمل السياسي الحديث.

وفي خطوة مفصلية، قاد السيد عمار الحكيم انشقاقا واسعا عن المجلس، ليؤسس تيار الحكمة الوطني عام 2017، مصطحبا معه أغلب الكوادر، الشخصيات، المؤسسات، الأصول المالية، المكاتب، وحتى البنية الإعلامية للمجلس، تاركا الأخير منهكا، فاقدا لفاعليته التاريخية.

•التيار الجديد بين الطموح والضعف

رغم هذا الزخم الانتقالي الكبير، لم يستطع تيار الحكمة أن يتحول إلى قوة مركزية في المشهد الشيعي.

ومع هذا الخطاب الجديد، والتحرّك نحو الوسطية، ومحاولة كسب جيل شبابي بعيد عن الأطر الحزبية القديمة، بقي التيار ضعيفا انتخابيا وسياسيا، عاجزا عن منافسة القوى الشيعية التقليدية الراسخة مثل دولة القانون، والتيار الصدري، ومنظمة بدر، فضلا عن أحزاب أخرى أصغر لكنها أكثر تنظيما وتأثيرا.

ولم يكن هذا الضعف محض صدفة داخلية فحسب، بل جاء في سياق إقليمي متشابك، حيث وجدَ الطرفان المنقسمان نفسيهما في موقف أضعف أمام حلفاء إقليميين اعتادوا التعامل مع كتلة شيعية موحدة.

فطهران، التي كانت ترى في المجلس الأعلى حليفا تقليديا موثوقا، وجدت نفسها أمام معادلة جديدة:

كيان تاريخي متهالك، وآخر جديد طموح لكنه غير قادر على ملء الفراغ، مما دفعها إلى تعزيز تحالفاتها مع قوى شيعية أخرى أكثر تماسكا وقدرة على الحسم والتعبئة، وهو ما عمق من عزلة التيارين معا.

• من رقم صعب إلى حضور هامشي

انعكس هذا الانشقاق بوضوح في النتائج الانتخابية، فالمجلس الإسلامي الأعلى، الذي كان يحقق أرقاما تتراوح بين 30 و36 مقعدا في ذروة حضوره، تراجع بعد الانشقاق إلى أرقام هامشية، لا تكاد تمكّنه من دخول المعادلات الحكومية.

في المقابل، خاض تيار الحكمة تجربته الأولى عام 2018 ضمن تحالف “الإصلاح” وحقق حوالي 19 مقعدا، وهو رقم متوسط لا يوازي الزخم الذي رافق خروجه من المجلس، ولا يؤهله لتصدر المشهد الشيعي.

وفي انتخابات 2021، انخفض الرقم أكثر، حيث تراجع حضور الحكمة إلى أقل من عشرة مقاعد، ليتحول من قوة طموحة إلى تيار مضطر للتموضع في الهامش السياسي، غالبا ضمن تحالفات طارئة لتثبيت حضور لا لتصميم مستقبل.

وهذا الضعف الانتخابي يعكس ارتباك القاعدة الاجتماعية والجماهيرية، إذ فشل خطاب الحكمة الوسطي، رغم جاذبيته الإعلامية، في التحول إلى قاعدة شعبية عضوية تترجم وجوده الانتخابي إلى تماسك مجتمعي حقيقي.

• إرث ثقيل وقوة مستنزفة

تراجع المجلس الإسلامي الأعلى إلى موقع هامشي، بعدما كان لاعبا رئيسيا في كل التحولات الكبرى التي أعقبت سقوط النظام السابق، سواء في صياغة الدستور، أو إدارة الحكومات المتعاقبة، أو ضبط توازن القوى الشيعية.

أصبح المجلس اليوم مجرد اسم تاريخي، بلا قدرة تنظيمية أو تأثير شعبي يذكر، فيما التيار المنشق عنه لم يتمكن من صناعة مشروع سياسي يوازي وزن ما تركه وراءه.

•خسارة مزدوجة للمشهد الشيعي

كانت النتيجة خسارة مزدوجة للمشهد السياسي الشيعي:

– الانقسام أضعف الطرفين، وإرث ثقيل ضاع بين تشتت القيادات.

– وانحسار الثقة الشعبية، وتقدّم تيارات أخرى لملء الفراغ.

وبذلك، لم يتحول الانشطار إلى فرصة للتجديد، بل إلى لحظة فراغ سياسي تركت أثرها الواضح على توزيع الأوزان داخل البيت الشيعي.

• فرص إعادة التموضع قبل فوات الأوان

رغم هذا الواقع، لا يزال أمام تيار الحكمة والمجلس الإسلامي الأعلى نافذة ضيقة لإعادة التموضع.

حيث يمكن للحكمة أن يتحوّل إلى قوة مؤثرة إذا استطاع أن يعيد هيكلة نفسه بعمق، ويبرم تحالفات استراتيجية تتجاوز الحسابات اللحظية، ويستثمر في قاعدة شبابية بعيدة عن الاستقطابات التقليدية.

أما المجلس، فخلاصه الوحيد هو الاندماج الكامل ضمن مشروع سياسي أكبر، يحفظ إرثه التاريخي ضمن هوية جديدة، بدلا من البقاء في موقع رمزي لا وزن له.

• اخيرا

يحمّل كثيرون السيد عمار الحكيم مسؤولية مضاعفة:

– أولا لأنه أضعف مؤسسة تاريخية شيعية كان لها دور تأسيسي في عراق ما بعد صدام.

-وثانيا لأنه فشل في تحويل تيار الحكمة إلى قوة وازنة تعيد تعريف العمل السياسي الشيعي بروح جديدة.

في المحصلة، كانت النتيجة مسارا سياسيا لم يكتمل، خسر فيه البيت الشيعي ثقلا تاريخيا، دون أن يكسب بديلا مكافئا، تاركا علامات استفهام حول قدرة النخب الشيعية على إدارة انتقالات كبرى من دون إضعاف ذاتها من الداخل.

والسؤال الأعمق الآن:

هل يمثل أفول هذين التيارين نهاية مرحلة “البراغماتية” و”الوسطية” في السياسة الشيعية، لصالح صعود نموذج آخر يقوم على ثنائية قطبية بين تيارات احتجاجية تعبويّة من جهة، وقوى منظمة ذات حضور ميداني وتأثير أمني – سياسي من جهة أخرى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *