تدوير النفايات: بين هموم العلماء ومعاناة الفقراء

تدوير النفايات: بين هموم العلماء ومعاناة الفقراء
يبرز النص صراعاً بين تدوير منظم للنفايات واقتصاد ظل يستغل الفقراء، حيث تتحول القمامة إلى سوق غير عادل يشغّل الأطفال والنساء بلا حماية. تدوير النفايات يعكس ثقافة الأمم، بين دول تستثمر بعلم وأخرى تتركها عبئاً اجتماعياً...

استيقظتُ صباحاً على مشهد غريب: شجار شبه سلمي بين شاحنة نظافة كبيرة، أوروبية الصنع، تؤدي مهامها بانضباط وتقنية عالية، وشاحنة صغيرة تُدعى “ستوته”، هندية الصنع، في سباق غير متكافئ لجمع النفايات. الشاحنة الكبيرة تمثل الخدمة الرسمية، تمر على البيوت وتلتقط الحاويات من أمام الأبواب، فيما اعتادت بعض العائلات – ميسورة كانت أو متوسطة – أن تضع إكرامية بسيطة على حافة الحاوية، تشجيعاً لجهود شباب تركوا مقاعد الدراسة في سبيل لقمة العيش.

اقتصاد النفايات الرسمي وغير الرسمي

لكن المشهد كان مختلفاً ذلك الصباح؛ فالـ”ستوته” كانت تسبق الشاحنة الرسمية إلى بعض البيوت، وتلتقط “النفايات الثمينة” قبل وصولها، خاصة في الأحياء الراقية حيث تكون النفايات ذات قيمة أعلى، وتكون الإكرامية عادة أكثر سخاءً. وهكذا نشب الخلاف: اشتباك صامت بين اقتصاد رسمي قائم على النظام، وآخر غير رسمي، ظلّي، يلتقط من الهامش ما يمكن تحويله إلى مورد.

هذا الاحتكاك لم يكن مجرد شجار ميداني، بل كُشف من خلاله عالم خفي من اقتصاد التدوير، حيث تتحول القمامة إلى مورد، وتُصبح النفايات سوقاً تتنافس فيه الأيادي الرسمية وغير الرسمية، وتدور فيه مفاهيم الربح والخسارة على وقع أصوات الحاويات، المفعمة بالعلب الزجاجية والمعدنية ومخلّفات البلاستيك والكرتون.

تجربة شخصية في اقتصاديات التدوير

أعادني المشهد عقوداً إلى الوراء، إلى جامعتي في شمال أميركا، حين غاب أستاذي المرموق عن درس في التخطيط الاقتصادي. بحثنا عنه ووجدناه في مكتبه، مرتبكاً، قلقاً، على شفا البكاء. حيث كان قد وضع مسودة مطبوعة لكتابه الوحيد على حافة سلة المهملات، فظنّتها عاملة النظافة حينها جزءاً من القمامة، فأُرسلت إلى مجمع النفايات.

سارعنا جميعاً إلى المجمع المذكور بحزن، في زمن لم تكن فيه ثورة المعلومات قد بلغت ذروتها كما هي اليوم ، لكن الموظف المسؤول عن النفايات أخبرنا أن قمامة الجامعة قد نُقلت إلى مركز التدوير الذي يبعد ثلاثين كيلومتراً. انطلقنا بحافلتين تسلكان طريقهما بين الغابات الربيعية، حتى بلغنا المركز، الذي بدا أشبه بمنتجع نظيف ومنظَّم بطريقة لا تُصدّق. لكن الأمل كان قد ضاع؛ فقد دخل الكتاب آلة التدوير، ولم يبقَ له أثر.

حزن الأستاذ وحزنا معه. وبعد لحظات من الصمت، تذكّر أنه أرسل نسخة إلى زميل له. ثم ظهرت بالفعل نسخة احتياطية لدى أحد الزملاء في جامعة في نيويورك، فأنقذ ما تبقى من الحكاية، ودرّسنا مساءً عن “اقتصاديات التدوير”، بعدما خاضها بنفسه في لحظة فقدٍ ثقافية مؤلمة.

ومن هناك، تأملت وضع النفايات في بلدي. فلا وجود لمجمعات تدوير نظيفة ومنظمة، بل هناك صراع خفي في “اقتصاد الظل”. محتويات حاويات القمامة تُشترى من مقاولي جمع النفايات، حسب أحياء المدينة ومستوى المعيشة فيها، ثم يُفرزها العاملون بحسب نوع المادة – علب معدنية، بلاستيك، كارتون – ليُعاد بيعها وفق كمياتها ونوعياتها، وتُرسل لاحقاً إلى ورش تدوير، أغلبها خارج البلاد.

إنه ليس مجرد نشاط اقتصادي فحسب، بل هو عالم اغتراب قاسٍ، يُشغّل فيه الأطفال والنساء وكبار السن والشباب، دون حماية، دون حقوق، ودون أن يراهم أحد. إنها قضية أخلاقية، واقتصادية، واجتماعية، تستحق الوقوف عندها في علم الاقتصاد الاجتماعي من زاوية جديدة: زاوية تظهر فيها النفايات كمرآة لثقافة الأمم، بين بلدان تهتم بتدوير نفاياتها بعقل العلماء، وأخرى تتركها لتكون عبئاً على الفقراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *