النائب الشاطر

النائب الشاطر
النص ينتقد تجربة النواب المستقلين في العراق، حيث تحولت وعودهم بمحاربة الفساد ورفض المحاصصة إلى صفقات ومكاسب شخصية. ويؤكد أن الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على الانتخابات وحدها، بل على الشفافية والمساءلة وخدمة الشعب...

آخر نكتة في قاموس السياسة العراقية: نائبة صعدت باصوات المستقلين، وركبت “التكتك” في أول يوم لها في البرلمان، اكتشفت أن المصلحة العليا للوطن تتطلب انضمامها إلى ائتلاف دولة القانون، وأن قيادة التاهو أفضل وأدسم من صعود “التكتك”، وكنا قد عشنا مهازل النواب المستقلين الذين تحولت بوصلة الكثير منهم من اليسار إلى أقصى اليمين.

في الدورة الأخيرة للبرلمان كانت الناس تتأمل خيراً بالنواب المستقلين، وكنا نراقب الوعود التي أطلقها هؤلاء النواب وهم يصرخون من على الفضائيات “لا تحزب ولا طائفية”، بل أن البعض راهن عليهم، لكن للأسف اكتشفت الناس أن شعارات محاربة الفساد، والقضاء على المحاصصة، ودولة المؤسسات والرفاهية، تحولت كلها إلى صفقات وجلسات سمر واستُبدل التكتك بسيارات رباعية وحمايات، وممارسة حالة من النصب السياسي العلني، ليكتشف المواطن أنه تورط في كذبة اسمها المستقلون، لأن السادة النواب حولوا شعاراتهم إلى أرباح وعوائد وفوائد. وستتفاجأ عزيزي القارئ بأن ما صرف على نوابنا المستقلين خلال الدورة الحالية يمكن له أن يبني أكبر مجمع سكني لمئات العوائل يسكنون في بيوت من التنك، وكان هذا أعز وأبقى عند الله والوطن من تقلبات النواب المستقلين.

النواب المستقلون بين الأمل والواقع

للأسف الجميع يتحدث عن مشاريع التغيير والإصلاح، ويحذروننا من “الانسداد”، وغضب السماء على هذا الشعب الذي يتبطر على نعمة الديمقراطية، لكن المواطن المبتلى بقوانين العشائر وغياب العدالة يعرف جيداً أن ما يقال على الفضائيات لا يعدو كونه مجرد كلام. الذي أعرفه خلال عشرين عاماً عشناها مع الخراب، أن القضية لم تعد مجرد تغيير وإصلاح وأضيف لها انسداد، بل إنقاذ العراق، وقد أعطيت نفسي أكثر من فرصة أتفاءل فيها بما سيفعله النواب المستقلون، وكنتُ مراهناً نفسي على أنّهم سيعيدون للبرلمان مكانته التي يجب أن يأخذها، ويبدو أنّ التشائم انتصر في النهاية وخسرت الرهان، مثل كلّ مرة أراهن فيها على مسؤول عراقي.

تقلبات النواب المستقلين

شيء مؤسف أن لا يكون لدى الكاتب ما يكتبه للقرّاء سوى التشاؤم والسخرية من الأمل، ولكنني سأترك “المتشائل” جانباً وأتمنى على الذين اكتشفوا أن هذا الشعب مذنب وكافر ويجب أن يعاقب بالعجاج، أن يسعوا جادين لإفساح المجال لتكنوقراط بوزن أبو علي الشيباني ليأخذ مكانه في البرلمان إلى جانب حنان عالية نصيف. يقدم لنا العالم نماذج لسياسيين لم يبحثوا عن التوازن الطائفي، فيما نحن لا نزال نعيش في عصر “تقلبات” النواب المستقلين، فعين على الإطار وأخرى على دولة القانون، وعين على من يحقق الربح الأكبر.

إن تجربة النواب المستقلين في العراق تثبت أن الانتخابات وحدها لا تصنع الديمقراطية، فصناديق الاقتراع قد تُستغل لتقوية مصالح فردية أو حزبية على حساب مصلحة الشعب. ولذا فإن عملية التغيير تتطلب ربط الانتخابات بالقيم الديمقراطية الحقيقية، كالمساءلة والشفافية والدولة العادلة.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة لإعادة النظر في الدور البرلماني، بحيث لا تُقاس النجاحات بالتحالفات والمناصب، بل بقدرة النواب على تعزيز مؤسسات الدولة، حماية الحقوق، وبناء مجتمع مستقر يتجاوز مصالح الأفراد والفصائل. فالديمقراطية العراقية بحاجة لممارسة حقيقية تتجاوز التكتكات والسيارات الرباعية، لتصبح التمثيل الحقيقي أداة لإصلاح الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *