قمة شنغهاي وحفل يوم النصر: الصين تعيد صياغة توازن القوى

قمة شنغهاي وحفل يوم النصر: الصين تعيد صياغة توازن القوى
النص يصف العرض العسكري الصيني وقمة شنغهاي كمؤشر على تشكل توازن دولي جديد تقوده بكين وموسكو وحلفاؤهما، مقابل ارتباك أوروبي وتشبث أمريكي بالهيمنة، مع انعكاسات مباشرة على الشرق الأوسط وصراعاته المقبلة...

•حدث عسكري بلغة السياسة

لم يكن صباح الثالث من أيلول/سبتمبر 2025 عاديا في بكين، ساحة “تيان آن من” تحوّلت إلى مسرح مفتوح للرسائل الكبرى.

قادة أكثر من خمسٍ وعشرين دولة، يتقدّمهم فلاديمير بوتين، مسعود بزشكيان، وكيم جونغ أون، جلسوا إلى جانب شي جينبينغ.

الصين لم تحي الذكرى الثمانين لهزيمة اليابان فقط، بل قدّمت عرضا لقوة تتحدث عن المستقبل أكثر من الماضي.

•استعراض رمزي أم إعلان تحوّل

المشهد العسكري الصيني لم يكن احتفالا تقليديا، بل منصة سياسية متعدّدة الأبعاد.

تزامن الحدث مع قمة موسّعة لمنظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين، حيث طرح نموذج اقتصادي بديل للعولمة الغربية:

-تسويات بالعملات المحلية، تمويل تجارة بلا دولار،

– وتوسيع الشراكات نحو الجنوب والشرق.

كانت الإشارات واضحة: انه “نظام عالمي يتشكل بعيدا عن غربي”.

•تحالفات خارج الظل المشهد

الذي جمع بوتين، شي، بزشكيان، وكيم لم يكن بروتوكوليا، انما كان إعلانا أن القوى المناهضة للهيمنة الغربية تتصرّف ككتلة واثقة، تربط ملفات أوكرانيا وتايوان والشرق الأوسط في شبكة صراع واحدة.

أسلحة فرط صوتية، مسيّرات بعيدة المدى، وقدرات بحرية متطورة عرضت بلا مواربة، لتقول إن الردع لم يعد امتياز الغرب وحده.

• أوروبا بين الإرث والارتباك

في حين تتحرك موسكو وبكين وطهران بتنسيق متسارع، تبدو أوروبا غارقة بين تبعيتها لواشنطن وحاجتها لحماية مصالحها.

أزمات الطاقة، ارتباك العقوبات، والعجز عن المبادرة تكشف عن قارة فقدت القدرة على قيادة التوازنات، مكتفية بدور المتلقي.

• الشرق الأوسط على خط الزلازل الجديدة

إيران، بعضوّيتها في بريكس وشنغهاي، حضرت بثقل مضاعف.

صادرات النفط المتزايدة نحو الصين تمنحها متنفسا ماليا وتضع بكين في موقع الشريك الحريص على استقرار الخليج وكلفة التأمين البحري.

المبادرة البحرية “الحزام والطريق” تجعل الصين معنية بحماية خطوط الطاقة والتجارة من دون الالتحاق بالتحالفات العسكرية الغربية.

لذا هي تعمل على خفض التصعيد في البحر الأحمر، فيما تجري بالتوازي مناورات بحرية مع روسيا وإيران قرب هرمز، في إشارة مزدوجة:

“قدرة على حماية المصالح ورسالة ردع ضد أي تعطيل للممرات”.

أما على مستوى الصراع العربي-الإسرائيلي، تحاول بكين تقديم نفسها كوسيط غير منحاز، مقابل تورط أمريكي مطلق في دعم إسرائيل، ما يعزز صورتها في الجنوب العالمي كقوة براغماتية تتحدث بلغة المصالح لا الإملاءات.

• تحديات التحالف الجديد

رغم وضوح ملامح شبكة القوى الجديدة، إلا أن الطريق ليس ممهدا بالكامل.

اختلاف أولويات موسكو وبكين، حساسية الملف النووي الإيراني، ومحدودية انفتاح كوريا الشمالية، تبقى عوامل كابحة أمام تحوّل التنسيق إلى منظومة متكاملة.

مع ذلك، الرسالة الكبرى وصلت:

“التفوق الغربي لم يعد مسلما به، ولا العقوبات بلا بدائل، ولا الممرات البحرية حكرا على واشنطن”.

• من ذكرى النصر إلى سؤال المستقبل

يوم النصر الصيني تحوّل إلى منصة لطرح السؤال الأصعب:

من سيكتب قواعد اللعبة في القرن الحادي والعشرين؟

القوى التي ورثت النظام القديم، أم التي قررت كسر أحاديته؟

بكين، ومعها موسكو وطهران وبيونغ يانغ، رفعت الصوت:

لسنا هامشا ولا رد فعل، بل مشروع كامل، تتقاطع فيه الطاقة، التجارة، الردع، والرمزية لصياغة توازن جديد يولد من رحم الصراع.

• انعكاس على الساحات الساخنة

ما جرى في بكين لن يبقى في بكين، والشرق الأوسط يدخل مرحلة اختبار للأشهر المقبلة:

-واشنطن وتل أبيب ستسعيان لتثبيت خطوطهما الحمراء.

-محور المقاومة سيرى اللحظة فرصة لرفع سقف الفعل السياسي وربما العسكري ضمن حدود محسوبة.

لن يقرأ أي تصعيد في لبنان والعراق أو اليمن وإيران بمعزل عن المواجهة الكبرى بين واشنطن وبكين وموسكو.

•اخيرا

المنطقة مقبلة على مرحلة حسابات دقيقة، حيث لن تكفي القوة وحدها ولا التسويات الجزئية، بل ستفرض مقاربات جديدة تمزج الردع بالمرونة، حتى ينضج التوازن الدولي الجديد الذي ما زال في طور التشكل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *