تجربة نجاح في القضاء على الفساد ودرس عملي عميق لكل الدول والحكومات الغارقة في الفساد وسوء الأداء!
خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي ومع بدء الصين التحول من دولة يعتمد اقتصادها على الزراعة والمبادئ الشيوعية، الى الاقتصاد الهجين والصناعة والتصدير، بدأ الفساد ينتشر بشكل واسع في كافة مفاصل الدولة، وخلق بيئة جديدة للرشاوى والمحسوبيات ولاسيما في العقود الحكومية والأراضي والمشروعات الكبرى!
انتشار الفساد المالي والإداري أدى الى ضعف الأداء الحكومي وسوء توزيع الثروات وارتفاع كلفة الاعمال الصناعية والتجارية ورداءة الخدمات، مما أضعف كثيراً من سعي الدولة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي!
توسع الفساد في الصين حتى وصل لكبار شخصيات الحزب الحاكم والأطراف المقربة مما خلق فجوة مالية كبيرة بين طبقة غنية جداً من المسؤولين والتجار والصناعيين المقربين، وبين طبقة فقيرة من المواطنين والعمال والحرفيين، مما ولد كراهية شعبية كبيرة للطبقة الحاكمة في الصين!
حتى جاء الرئيس الصيني الحالي (شي جين بين) للسلطة والذي وجد ان الفساد في الصين صار ممنهجًا وواسع الانتشار ومتجذراً بالاقتصاد والسياسة في آن واحد، حتى أن بعض المحللين اعتبروه أخطر تهديد داخلي على استقرار الاقتصاد والدولة!
القضاء على الفساد
وفي زيارة عمل لي للصين قبل فترة كنت أسأل بعض المواطنين والموظفين والمدراء عن العامل الرئيسي في نهضة الصين خلال الأعوام العشرة الأخيرة، فكان جواب الجميع موحداً تقريباً وهو (القضاء على الفساد) الذي قام به الرئيس الصيني!
فقد اعتمد الرئيس الصيني جين بين، على استراتيجية واضحة في التعامل مع الفساد وهي البدء (بالتطهير الداخلي) كخطوة أولى للإصلاح، حيث بدأ برصد ومطاردة المسؤولين الكبار الفاسدين (النمور) داخل الحزب الشيوعي والإيقاع بهم واحدًا تلو الآخر، دون اعتبار لمكانتهم او علاقتهم به، من خلال تفعيل ما يمسى (هيئة التمكين الحزبي) لتدقيق ثروات وأملاك كل أعضاء الحزب الحاكم (دون استثناء) وتحويل من يُشك به للتحقيق والقضاء ومصادرة الأملاك!
وقد ذكر لي بعض الصينيين ان الرئيس الصيني عندما كانت ترده معلومات عن اجتماعات مغلقة بين مسؤولين فاسدين وتجار لترتيب العقود وتقاسم العمولات والحصص، كان يُرسل القوات الأمنية وممثلين عن القضاء وقنوات فضائية، لمسك هؤلاء بالجرم المشهود وتصويرهم وعرضهم على كافة القنوات وفضحهم شر فضيحة أمام الشعب!
مكافحة الفساد في مؤسسات الدولة
لم يكتفي الرئيس الصيني بذلك، بل أطلق حملة مكافحة الفساد في كل مؤسسات الدولة وطارد كبار المدراء الفاسدين، وبدأ بإصلاحات تشريعية ومؤسسية وأمر بتطوير وتفعيل أنظمة تكنولوجية لتتبع حركة الأموال والعقود العامة للدولة ورصد أي شبهات أو مخالفات مالية!
هذه الطريقة القاسية والفضائحية في التعامل مع الفاسدين، والتغييرات الهيكلية في رصد وتتبع الفساد، ساهمت بقوة في تطهير الحزب الحاكم ومؤسسات الدولة وحتى الشركات من ممارسات الفساد، وجعلت المسؤول في الصين وحتى الموظف الصغير يتجنب اي فعل فيه شبهة فساد خوفاً من الحساب الشديد والفضيحة!
وبعد ان تخلصت الصين من جزء كبير من الفساد، بدأت بالتقاط أنفاسها وانتقلت بشكل سريع وبخطوات كبيرة الى الأمام وتوسعت في كافة القطاعات الصناعية والتكنولوجية والتجارية والخدمية حتى أصبحت اليوم مارد اقتصادي عالمي عملاق يقف الند للند أمام القوى الكبرى ولاسيما الولايات المتحدة، التي أرهقتها كثيراً حالة التنافس التي تفرضها عليها الصين اليوم!
الدرس الصيني في مكافحة الفساد والقضاء عليه، وما ترتب على ذلك من نهضة صينية خارقة، يعتبر درس بليغ جداً لكل نظام حكم او دولة ينتشر فيها الفساد ويعشعش في مؤسساتها!
لكن يبقى الاقتداء بالنموذج الصيني للخلاص من الفساد والنهوض بالدولة مسألة تعتمد كثيراً على إخلاص المسؤول وصاحب القرار ورغبته في إصلاح نظام بلده لاستعادة نهوضها من جديد! فهل لدينا اليوم في دولنا (شي جين بين) وطني ليعالج لنا الفساد ويبدأ بمسيرة الإصلاح والنهضة؟!


