لا تنشغلوا كثيراً بالاتفاق الإيراني الأمريكي،
ذلك الاتفاق الذي يراه كثيرون حدثاً استراتيجياً عزز موقع إيران الإسلامية ومحور المقاومة في المنطقة والعالم.
لا ترحبوا به، ولا تعلنوا موقفاً مؤيداً أو مسانداً أو حتى متفهماً.
لا داعي لأن تبدوا مرتاحين أو مسرورين بما جرى، فذلك ليس من اختصاصكم أصلاً.
فما شأنكم بإيران الإسلامية؟ وما شأنكم بمواقفها أو إنجازاتها أو قدرتها على فرض حضورها في ساحات الصراع والتفاوض؟
لديكم، أيها الأعزاء والأحبة، ملفات أولى بالاهتمام وأكثر إلحاحاً.
انشغلوا بملفاتكم الداخلية
انشغلوا بفضائح الصفقات التي لا تنتهي،
وبملفات الفساد التي تضخمت حتى باتت كل فضيحة تحتاج إلى رقم تسلسلي يميزها عن سابقتها.
انشغلوا بتغريدات الرئيس الأمريكي، وبمحاولات قراءة ما بين سطورها،
والبحث عن إشارات الرضا أو الغضب فيها،
وبكيفية تفسير ما يمليه “ضميره” السياسي تجاهكم في كل صباح ومساء.
وانشغلوا بكيفية تسليم ما يُطلب تسليمه، ثم تحويل ذلك إلى إنجاز إعلامي،
وبعدها إلى وجبة سياسية يومية تُقدَّم للناس على أنها فتح مبين.
الكهرباء والماء والطرق أولى من التصفيق السياسي
انشغلوا بواقع التيار الكهربائي المتردي، وبالماء المالح في البصرة،
وبالطرق التي يكسوها القهر ولا يكسوها الإسفلت.
انشغلوا بالمسابقات السياسية الدورية التي تجري داخل “القطر”،
وبمن سيأخذ الكأس ليتوج بطلاً للدوري العراقي كل أربع سنوات.
وانشغلوا أيضاً بخبز “السياح” الذي يؤكل مع البيض المخفوق بالسمن البلدي،
وسط تصفيق المريدين والمستفيدين.
ولا تنسوا أن تستفتوا أهل الحل والعقد في مسألة إضافة الطماطة والبصل إلى البيض الذي يؤكل مع “السياح”،
فهذه أيضاً من شؤون السياسة اليومية التي تحتاج إلى لجان ومؤتمرات وتصريحات.
إيران الإسلامية ولغة الإنجازات الكبرى
أما الحديث عن إيران الإسلامية، وعن تجربتها، وعن قدرتها على الصمود والمواجهة والتفاوض من موقع القوة،
فهو حديث يحتاج إلى لغة أخرى غير لغة التبرير.
إنه يحتاج إلى قاموس مختلف عن قاموس المساومات اليومية،
وإلى رؤية لا تختصر السياسة في المناصب والمكاسب والامتيازات.
فالحديث عن الإنجازات الكبرى لا يتقنه من اعتاد إدارة الأزمات الصغيرة،
والحديث عن الانتصارات الاستراتيجية لا يستوعبه من حصر السياسة كلها في حسابات السلطة والنفوذ والمقاعد.
لذلك، اتركوا هذا الحديث لأهله، وانشغلوا بما اعتدتم الانشغال به؛ فلكل ميدان فرسانه، ولكل لغة رجالها.
لكل ميدان فرسانه
إن الحديث عن إيران الإسلامية وإنجازاتها وانتصاراتها يحتاج إلى لغة ثانية،
لغة تختلف كثيراً عن اللغة التي أتقنتموها طوال السنوات الماضية.
إنها لغة من يعرف معنى الصبر الاستراتيجي، ومعنى الصمود تحت الضغط،ومعنى تحويل الحصار إلى فرصة، والتحدي إلى حضور، والمواجهة إلى موقع قوة على طاولة التفاوض.
أما من اعتاد تدوير الأزمات الصغيرة، وتجميل الفشل، وتسويق التنازلات،فلا يستطيع أن يتحدث عن الانتصارات الكبرى إلا بلغة مرتبكة لا تشبه أصحابها ولا تشبه الحدث.
نصيحة ثقافية بنكهة عراقية
ونصيحتي لكم، من منطلق فني وثقافي وأيديولوجي عراقي صميمي، أن تبحثوا في روائع الفنان المصري سيد مكاوي، الذي لا علاقة له بـ “المكاوية”، وأن تتأملوا عبارته الباقية: “إن الفجر لمَن صلّاه”.
وأقول في الختام: إن الفخر كل الفخر للإيرانيين، ولمن ساندهم من المقاومين الحقيقيين،أولئك الذين فهموا أن الفجر لا يأتي لمن ينام على هوامش الأحداث، بل لمن يدفع ثمنه صبراً وثباتاً وموقفاً.


