التحدي الأكبر أمام حكومة علي الزيدي

حكومة علي الزيدي وحصر السلاح بيد الدولة في العراق
مقال تحليلي يناقش التحدي الأكبر أمام حكومة علي الزيدي، والمتمثل في حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء نفوذ الفصائل المسلحة، وترسيخ سيادة القانون وبناء دولة عراقية قوية...

أكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي التزام حكومته بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة،

وهو توجه ينسجم مع نصوص الدستور العراقي ومطالب قوى سياسية عديدة،

فضلاً عن الدعم الدولي والإقليمي الرامي إلى تعزيز سلطة الدولة العراقية وترسيخ سيادتها.

ويُعد احتكار الدولة للقوة أحد الأسس الجوهرية لبناء الدولة الحديثة وسيادة القانون.

فلا يمكن أن يستقيم مفهوم الدولة في ظل وجود تشكيلات مسلحة موازية للقوات العسكرية والأمنية الرسمية،

تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً مستقلاً عن السلطة المركزية.

حراك سياسي وأمني لإنهاء السلاح الموازي

يشهد العراق حالياً حراكاً سياسياً وأمنياً يتضمن حوارات ومبادرات مع بعض الفصائل المسلحة،

بهدف تسليم أسلحتها أو دمج عناصرها ضمن المؤسسات الرسمية.

وتأتي هذه الخطوة في سياق محاولة إنهاء ظاهرة السلاح الموازي وترسيخ سلطة القانون.

ولا يقتصر مفهوم حصر السلاح على تجريد الفصائل المسلحة من أسلحتها فحسب،

بل يمتد أيضاً إلى الحد من نفوذها في التأثير على القرار السياسي،

ومنع استغلال القوة المسلحة في نهب أموال الدولة أو تعطيل عمل مؤسساتها.

ويأتي هذا المسار في ظل إجماع سياسي وشعبي متزايد داخل العراق،

وتوافق إقليمي ودولي على أهمية تفكيك الميليشيات والفصائل المسلحة الخارجة عن إطار الدولة،

أو إعادة تنظيمها ضمن مؤسسات رسمية خاضعة للقانون.

دعم الصدر واحتمال تحالف جديد

يدعم السيد مقتدى الصدر حكومة الزيدي في مسار تفكيك الفصائل المسلحة،

خصوصاً بعد قراره فك ارتباط سرايا السلام من الحشد الشعبي.

ويُنظر إلى هذا الموقف بوصفه عاملاً مهماً قد يمنح الحكومة غطاءً سياسياً وشعبياً في ملف بالغ الحساسية.

ويلوح في الأفق احتمال تشكل مشروع تحالف بين الزيدي والتيار الصدري،

وهو ما قد يسهل على رئيس الوزراء مهمة التعامل مع الميليشيات الولائية وتقليص نفوذها داخل المشهدين الأمني والسياسي.

وفي السياق ذاته، تبرز مؤشرات على تحولات داخل بعض الفصائل،

خصوصاً بعد الحديث عن فك ارتباط فصيل عصائب أهل الحق بالحشد الشعبي.

غير أن هذا المسار لا يزال يحتاج إلى خطوات عملية واضحة تضمن انتقالاً حقيقياً من منطق الفصائل إلى منطق الدولة.

الفصائل الرافضة وتساؤلات السيادة

في المقابل، ما تزال فصائل مثل النجباء وسيد الشهداء وكتائب حزب الله ترفض تسليم أسلحتها للدولة،

وهو ما يمثل أحد أهم التحديات أمام الحكومة الجديدة.

فاستمرار وجود فصائل مسلحة خارج إطار القرار الرسمي يضع الدولة أمام اختبار حقيقي:

هل تستطيع بغداد فرض سيادتها القانونية والسياسية على جميع القوى المسلحة،

أم أن السلاح سيبقى موزعاً بين الدولة وجهات موازية تمتلك قرارها المستقل؟

هذا السؤال هو جوهر التحدي الأكبر أمام حكومة علي الزيدي،

لأن نجاحها أو فشلها في هذا الملف سيحدد مستقبل هيبة الدولة العراقية خلال المرحلة المقبلة.

الأساس الدستوري والقانوني لحصر السلاح

يستند مشروع حصر السلاح إلى نصوص دستورية وتشريعية واضحة.

فالمادة التاسعة من الدستور العراقي تحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار الدولة،

وتؤكد أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية يجب أن تكون خاضعة للسلطة المدنية.

كما يجرّم قانون الأسلحة رقم 51 لسنة 2017 حيازة أو حمل الأسلحة النارية والعتاد من دون تراخيص رسمية صادرة عن الجهات المختصة،

ما يمنح الحكومة أساساً قانونياً لملاحقة السلاح غير المرخص.

وتنص المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 على اعتبار أعمال العنف أو التهديد التي تستهدف ترويع المواطنين أو تعريض أمنهم وحياتهم وممتلكاتهم للخطر ضمن الأفعال الإرهابية التي تستوجب العقوبات القانونية المشددة.

دور قوى الأمن الداخلي والقضاء

في هذا السياق، يُنتظر من قوى الأمن الداخلي أن تلعب دوراً محورياً في تطبيق القوانين المتعلقة بمصادرة الأسلحة غير المرخصة وملاحقة الجهات المخالفة،

بما يرسخ مبدأ سيادة القانون ويؤكد أن حمل السلاح واستخدامه حق حصري للدولة.

كما يُعد القضاء الركيزة الأساسية لتفعيل القوانين الضامنة لحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت.

فلا يمكن لأي مشروع أمني أن ينجح من دون غطاء قضائي مستقل،

قادر على تطبيق القانون بعيداً عن الضغوط السياسية والفصائلية.

إن نجاح هذا المسار يتطلب تكاملاً بين القرار السياسي، والإجراءات الأمنية،

والمرجعية القضائية، حتى لا يتحول شعار حصر السلاح إلى مجرد عنوان إعلامي بلا نتائج عملية.

الضغوط الإقليمية والدولية

تواجه الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران ضغوطاً متزايدة على المستويين الإقليمي والدولي،

خاصة بعد اتهام بعض هذه الجماعات بالتورط في عمليات استهدفت دولاً في المنطقة أو مصالح دولية.

وتنظر إيران إلى كثير من الفصائل المسلحة العراقية باعتبارها جزءاً من منظومة نفوذها الإقليمي،

وهو ما يضيف بعداً إقليمياً معقداً إلى ملف نزع السلاح أو إعادة تنظيمه داخل الدولة العراقية.

في المقابل، تواصل الولايات المتحدة ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية على بغداد بهدف الحد من نفوذ الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة.

وتتضمن هذه الضغوط ربط المساعدات وبرامج التعاون الأمني والعسكري بمدى نجاح الحكومة العراقية في ضبط الفصائل المسلحة ومنع الهجمات التي تستهدف المصالح الدولية أو دول الجوار.

كما تلوح واشنطن بإجراءات اقتصادية إضافية تستهدف مصادر التمويل والشبكات المالية المرتبطة بهذه الجماعات، في إطار استراتيجية أوسع للحد من نفوذها داخل العراق والمنطقة.

خطر السلاح المنفلت على الدولة

إن استمرار وجود جماعات مسلحة خارج إطار القانون سيُبقي العراق أمام انفلات أمني خطير، وتحديات مالية وسياسية معقدة، بما يعرقل جهود بناء دولة المؤسسات الحديثة.

فالسلاح المنفلت لا يهدد الأمن فقط، بل يضعف الاقتصاد، ويمنع الاستثمار، ويقوّض ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية، ويفتح الباب أمام التدخلات الخارجية والتوازنات غير الشرعية داخل القرار الوطني.

ومن هنا، فإن حصر السلاح لا يمثل إجراءً أمنياً فحسب، بل يشكل مدخلاً ضرورياً لإعادة بناء الدولة العراقية على أسس السيادة والقانون والمواطنة.

مستقبل حكومة علي الزيدي

يبقى نجاح حكومة علي الزيدي في حصر السلاح بيد الدولة عاملاً حاسماً في مستقبل العراق. فنجاح هذا المشروع من شأنه أن يعزز هيبة الدولة، ويعيد الثقة بالمؤسسات الرسمية، ويفتح المجال أمام إصلاحات سياسية وأمنية واقتصادية أوسع.

أما فشل هذا المسار، فقد يعني بقاء العراق أسيراً لمعادلة القوة المزدوجة، حيث توجد دولة رسمية من جهة، وقوى مسلحة موازية من جهة أخرى.

لذلك، فإن التحدي الأكبر أمام حكومة علي الزيدي لا يكمن فقط في إعلان الالتزام بحصر السلاح، بل في تحويل هذا الالتزام إلى سياسة عملية، قادرة على إنهاء السلاح المنفلت، وحماية السيادة الوطنية، وبناء دولة عراقية قوية تحتكم إلى القانون وحده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *