الديمقراطية كخيار إسلامي للحكم

الديمقراطية كخيار إسلامي للحكم
مقال فكري وفقهي يناقش الديمقراطية كخيار إسلامي للحكم، ويعرض تعريف الديمقراطية بوصفها آلية سياسية لا إيديولوجية، مع بحث التأصيل الفقهي للمشاركة الديمقراطية ورأي المرجعية الدينية....

إثر الأحداث المتلاحقة في الساحة الدولية، يعيش العالم الإسلامي إرهاصات تطور فكري على الصعيدين السياسي والفقهي.

فمن جهة، تواجه الحركات الإسلامية الأصولية التي اختارت العنف أساساً في حركتها مآزق سياسية وفكرية وفقهية وجماهيرية وأمنية،

الأمر الذي اضطر بعضها إلى مراجعة خطابها ومنهجها بعد الانتكاسات العسكرية والسياسية التي تعرضت لها.

ومن جهة أخرى، بدأت تيارات إسلامية أخرى حركة تحديث لأفكارها،

مؤكدة أهمية المنهج السلمي والمشاركة السياسية داخل دولها،

وضرورة إقناع الجماهير بأفكارها ومبادئها وأهدافها، ثم الدخول في الانتخابات العامة،

حيث تكون صناديق الاقتراع هي الفيصل في الوصول إلى سدة الحكم.

تحوّل التيار الإسلامي نحو المشاركة السياسية

إن هذا التحول يرسّخ حقيقة مفادها أن التيار السياسي الإسلامي مقبل على مرحلة فكرية أكثر نضجاً،

وفترة سياسية أكثر هدوءاً خلال العقود القادمة،

بعدما وجد أن سياسة العنف والتصادم مع الأنظمة القائمة لم تحقق ما كان يصبو إليه.

ولا ينبغي إغفال أن التحرك الأميركي في العالم عموماً،

والحضور العسكري والسياسي الأميركي في المنطقة خصوصاً،

والضغط الكبير على التيار الإسلامي المقاوم،

كلها عوامل دفعت بعض التيارات الإسلامية إلى النزوع نحو المشاركة السياسية في العملية الديمقراطية.

ومن هنا بدأت بعض هذه التيارات إعادة قراءة أفكارها من أجل بلورة رؤى جديدة تنسجم مع المرحلة الجديدة.

وبما أنها حركات إسلامية، فإن أفكارها ومواقفها يجب أن تنطلق من الإسلام روحاً وفهماً،

وألا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية في السلوك والموقف.

لذلك، أصبح من الضروري على الإسلاميين تأصيل الحل الديمقراطي فقهياً،

من خلال البحث عن قواعد فقهية وأصولية تسمح بانتهاج هذا الخيار دون الإخلال بالأصالة الإسلامية التي ينبغي أن يبقوا متمسكين بها.

المواءمة بين الإسلام والديمقراطية

عندما يتداول الإسلاميون مسألة الديمقراطية، فإنهم يناقشون أهميتها السياسية والفكرية والجماهيرية،

غير أن هناك أسئلة أساسية تبقى حاضرة في هذا النقاش، وتتعلق بالتأصيل الفقهي للخيار الديمقراطي.

فهل الديمقراطية فلسفة غربية أم آلية لتنظيم انتقال السلطة سلمياً؟ وهل يعني مصطلح الديمقراطية حكم الشعب ونفي حكم الشريعة؟ وهل يعني القبول بالديمقراطية القبول بالأنظمة العلمانية ونبذ الإسلام؟ وهل تؤدي الديمقراطية إلى تغريب المجتمع وعزله عن عقيدته وتراثه وأصوله؟

ثم ألا يعني القبول بالخيار الديمقراطي استفزازاً لجماهير الأمة المسلمة التي قد تعتقد أن الديمقراطية تعني التخلي عن الإسلام؟

هذه الأسئلة وغيرها تتبادر إلى كثير من الإسلاميين عند تناول مفردة الديمقراطية،

ويتساءلون من خلالها عما إذا كانت الديمقراطية تحظى بتبريرات شرعية سليمة،

لا تخالف الإسلام ولا القواعد الفقهية والأصولية المتعارف عليها.

وللإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد أولاً من التعرف إلى معنى الديمقراطية المقصودة وتعريفها،

لأن التعريف يقدم وصفاً دقيقاً للمعنى المراد،

كما يزيل كثيراً من سوء الفهم الناتج عن تعدد دلالات المصطلح في سياقات وأيديولوجيات مختلفة.

تعريف الديمقراطية

الديمقراطية هي نظام سياسي دستوري برلماني انتخابي تعددي تداولي حر لا مركزي غير مؤدلج،

يعتمد تحكيم إرادة غالبية الشعب، ويحترم الهوية العامة للأمة، ويرعى حقوق الإنسان المعترف بها دولياً،

بما فيها حقوق الأقليات، ويفصل بين السلطات.

وبمعناها السياسي، تمثل الديمقراطية آلية للتعددية غير المقيدة بإيديولوجية مسبقة، ضمن نظام دستوري برلماني،

ولا تتحدد إلا بآلياتها نفسها، وفي مقدمتها رعاية المصلحة العامة للمجتمع،

وتحكيم إرادة غالبية الشعب، واحترام الهوية العامة للأمة.

وتعبّر هذه الهوية عن منظومة الثوابت والركائز الأساسية لمبادئ المجتمع وحضارته وتاريخه وانتمائه الغالب،

وما يترتب على هذا الانتماء من استحقاقات،

مع حماية حقوق الأقليات المدنية والقومية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية والاجتماعية.

كما تقوم الديمقراطية على تداول السلطة سلمياً، وفق مبدأ المساواة بين المواطنين،

ومشاركتهم الحرة في الحياة العامة عبر ممثليهم في البرلمان،

وعن طريق الانتخابات الشعبية الحرة بالاقتراع السري.

وهي تتبنى الفصل بين السلطات الثلاث، وتعتمد مرجعية الدستور الدائم المقر من الشعب، والبرلمان المنتخب.

وتضمن الديمقراطية حرية تشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات، وحرية التعبير عن الرأي،

وحرية الفكر والصحافة،

وتحفظ للشعب كرامته الإنسانية وحق المواطنة والمعارضة السياسية وسائر حقوقه المدنية وحرياته المشروعة المثبتة في لوائح حقوق الإنسان المعترف بها دولياً،

بما فيها الحريات الشخصية والدينية والثقافية، ما دامت لا تتعارض مع هوية الأمة.

الديمقراطية آلية لا إيديولوجية

المقصود بالديمقراطية هنا أنها آلية للعمل السياسي وإدارة نظام الحكم،

لا إيديولوجية بديلة عن الإسلام. ولتوضيح هذا المعنى، يمكن القول إن الديمقراطية بمعناها الدقيق تتضمن جملة عناصر أساسية.

أول هذه العناصر حرية التعبير عن الرأي، وهو ما يقره الإسلام من خلال مبدأ “لا إكراه في الدين”،

ومبدأ الدعوة “بالحكمة والموعظة الحسنة”.

وتشمل حرية التعبير حرية ممارسة العمل السياسي والمشاركة في الحياة العامة،

لا للإسلاميين وحدهم، بل لجميع المواطنين.

أما العنصر الثاني فهو التعددية الحزبية، وهي تمثل الأسلوب الأمثل في غياب القيادة المعصومة.

فالتعددية تساهم في إثراء الفكر وأساليب الاجتهاد،

وتحل إشكالية الاختلاف في الرأي من خلال تمثيل كل تيار أو اجتهاد بعدد من مقاعد البرلمان وفقاً لنتائج الانتخابات الحرة.

كما تجنب التعددية الأمة الاستبداد ومفاسده،

وتمنع الصراعات الناتجة عن الاحتقان السياسي وحرمان الآخرين من حرية العمل السياسي والتعبير عن مصالحهم.

وهي تمنح الفرصة لتيار أو حزب آخر عندما يعجز غيره عن حل مشكلات البلاد أو تحقيق طموحات الجمهور الناخب،

كما تدفع الطرف الخاسر في الانتخابات إلى إعادة النظر في أدائه السياسي.

الحياة البرلمانية والانتخابات الحرة

تتضمن الحياة البرلمانية تنوع الآراء والتيارات السياسية،

وتمثيل جميع فئات الشعب وشرائحه الاجتماعية وقومياته وأديانه ومذاهبه.

ويشارك فيها الإسلاميون إلى جانب العلمانيين،

ومن يحظى بأصوات أكثرية الشعب ويشغل مقاعد أكثر في البرلمان يتولى تشكيل الحكومة،

بينما يبقى في المعارضة من لم يحقق الفوز.

وتُدار الأمور من خلال التصويت على الثقة بالحكومة الجديدة،

وقد تتعرض هذه الحكومة للمساءلة في البرلمان.

وبهذه الآلية تتناوب التيارات السياسية على حكم البلاد خلال فترات زمنية محددة.

أما الانتخابات الحرة بالاقتراع السري،

فهي تضمن اختيار الشعب لممثليه بعيداً عن التعيين أو تدخل المسؤولين الكبار في السلطة.

وتأتي الحرية الفكرية والسياسية بوصفها تأكيداً لإنسانية المسلم والمواطن،

واحتراماً لكرامته وخياراته الفكرية، إذ لا يمكن إجبار إنسان على عقيدة أو رأي سياسي.

التداول السلمي للسلطة وحسم الخلاف بالأكثرية

من أهم عناصر الديمقراطية التداول السلمي للسلطة وفقاً لمقتضيات الانتخابات.

وبهذا تتخلص المجتمعات من الانقلابات الدموية والحروب الأهلية والاستبداد والأنظمة الشمولية.

ويجب أن يكون الإسلاميون مستعدين للتخلي عن السلطة إذا لم يحصلوا على الأصوات اللازمة،

لأن بقاءهم في الحكم خلافاً للدستور ومعارضة أغلبية الشعب يتضمن مفسدة تعود على الإسلام أولاً، ويفقدهم ثقة الناس بهم ثانياً.

كما أن حسم ما يُختلف عليه بما تقره الأكثرية يشبه مفهوم الشورى في الإسلام،

حيث تتخذ غالبية المسلمين القرار في منطقة الفراغ، أي في المسائل التي لا يوجد بشأنها نص شرعي خاص.

وتضاف إلى ذلك رعاية حقوق الأقلية،

فقد ضمن الإسلام للأقليات الدينية حقوقها وحرياتها الدينية والثقافية والاجتماعية،

كما أوصى الرسول صلى الله عليه وآله خيراً بهم.

التأصيل الفقهي للمشاركة في نظام ديمقراطي

يمتاز الفقه الإسلامي بالمرونة والتعامل الواقعي مع مستجدات العصر ومشكلات المجتمع الإسلامي.

وهناك أبواب عديدة في الفقه الإسلامي تسمح بالمشاركة مع غير الإسلاميين لوضع نظام سياسي تعددي،

ومن هذه الأبواب المصلحة الإسلامية، والضرورات، والأحكام الثانوية،

وقاعدة عدم ترك الميسور بالمعسور، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،

وجواز العمل مع حكام الجور، وفكرة التعددية بوصفها عقد صلح.

المصلحة الإسلامية

لا يناقش أحد في أن الوضع السياسي العام في العالم العربي والإسلامي يتسم غالباً بعدم السماح للإسلاميين بالعمل السياسي،

إلا في بعض البلدان أو ضمن حدود ضيقة.

ويعود ذلك إلى مخاوف لدى الأنظمة الحاكمة والأحزاب العلمانية من أن يؤدي فتح المجال أمام الإسلاميين إلى تهديد استمرار هذه الأنظمة في الحكم.

كما توجد هواجس من أن الإسلاميين قد يصلون إلى السلطة ثم يلغون العملية الديمقراطية،

أو يقيّدون الحريات الشخصية والسياسية وحرية التعبير، أو يفرضون قواعد صارمة على المجتمع.

غير أن إعلان الإسلاميين قبولهم بقواعد اللعبة الديمقراطية،

ومشاركتهم في الانتخابات العامة ودخولهم البرلمان،

يطرح سؤالاً أساسياً: هل استمرار القمع والإقصاء بحق الإسلاميين أفضل،

أم تأسيس نظام يحترم الحريات وحقوق الإنسان،

يحصل فيه الإسلاميون على فرصتهم في العمل السياسي ومزاولة نشاطاتهم الدينية والاجتماعية وإصدار الصحف وتوعية الأمة ودعوتها إلى الالتزام بدينها؟

إن المصلحة الإسلامية تقتضي تضافر الجهود، ورصّ القوى في البلاد،

وتحقيق الرفاه للشعوب الإسلامية. كما تستدعي تأسيس نظام تعددي يضمن حريات الجميع وحقوقهم وأموالهم.

الضرورات والأحكام الثانوية

قد يواجه التعامل مع التيارات التي لا تؤمن بالإسلام، أو التي تضع العراقيل أمام تطبيقه،

معارضة شرعية مستمدة من بعض الأحكام الإسلامية، مثل حرمة عون الظالم.

غير أن هذا الوضع قد يكون استثنائياً إذا كان الهدف هو تحقيق الأهداف الإسلامية ورفع الظلم عن الأمة.

فالهدف المركزي هو إقامة نظام يحترم الإسلام، ويمنح الإسلاميين حرية العمل السياسي.

ومن حق الإسلاميين استخدام الوسائل الشرعية المتاحة لبلوغ هذا الهدف،

وطالما كانت هناك ضرورة لحفظ حقوق الشعب وصيانة حرياته، فإن هذه الضرورة تفتح باباً للتعامل السياسي في حدودها.

أما الأحكام الثانوية، فتُطرح حين يتعذر تطبيق الأحكام الأولية التي هي الأصل في التشريع الإسلامي.

فالعمل في ظل نظام غير إسلامي قد يكون حالة اضطرارية تلجأ إليها الحركة الإسلامية من أجل استمرار أداء رسالتها،

وسعياً إلى تحقيق الأهداف الإسلامية.

ولا يعني ذلك أن الحركة الإسلامية إذا استلمت السلطة ستلغي الحالة الدستورية أو التعددية؛

لأنها تكون قد أعطت مواثيقها وعهودها باحترام الدستور واستمرار النظام ذي التعددية السياسية،

حتى لو خسرت في جولة انتخابية لاحقة.

قاعدة لا يُترك الميسور بالمعسور

تعني هذه القاعدة أنه إذا أمكن تحقيق بعض الأهداف الإسلامية،

وتطبيق جانب من الأحكام الشرعية في الدولة والمجتمع، فلا ينبغي ترك ذلك بحجة عدم وجود حكم إسلامي شامل يطبق الشريعة كاملة.

وعليه، يجب السعي إلى تطبيق أحكام الإسلام في أي مساحة مسموح بها، على أن تتسع هذه المساحة تدريجياً.

فهناك مجالات كثيرة يمكن إصلاحها في المجتمع الإسلامي، ولا يعترض عليها غير الإسلاميين،

مثل محاربة الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة، ومكافحة الجريمة المنظمة والمخدرات، وتوفير الضمان الاجتماعي للطبقات الضعيفة.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان شرعيان على نحو الوجوب الكفائي، ويجب أن يتصدى لهما من به الكفاية.

وتختلف أساليب أداء هذا الواجب بحسب الزمان والمكان والمخاطب والقائم به.

ومشاركة الحركة الإسلامية في نظام التعددية السياسية يمنحها فرصة وحرية لأداء هذا الواجب بصورة منظمة وفاعلة،

سواء من خلال الجمعيات أو الأحزاب أو المؤسسات العامة.

وقد دعا السيد محمد حسين فضل الله إلى أن يكون الإسلام قوة في أي موقع يستطيع أن يأخذ فيه هذه القوة،

مؤكداً أهمية مشاركة المسلمين في المواقع السياسية، حتى في البيئات الغربية، دفاعاً عن حقوقهم وقضاياهم الإسلامية.

جواز العمل مع حكام الجور

صنّف كثير من فقهاء الشيعة عبر التاريخ في مسألة العمل مع حكام الجور، ومنهم الشيخ الصدوق،

والشيخ المفيد، وشيخ الطائفة الطوسي، والشريف المرتضى، ومن المتأخرين الإمام الخميني والشيخ محمد مهدي شمس الدين.

وبعد مناقشة الروايات المانعة والمجوزة،

خلص الشيخ شمس الدين إلى أن العمل مع ولاة الجور لا يكون محرماً بإطلاقه إذا لم يتضمن اعترافاً بشرعيتهم، ولم يؤدِ إلى الظلم أو المعاونة عليه.

أما المنع في الروايات الدالة على التحريم، فيتعلق بالاعتراف بشرعية هؤلاء الحكام، أو بما يترتب على العمل معهم من ظلم للناس.

فإذا خلا العمل من هذه اللوازم، أمكن القول بمشروعيته وإباحته في الجملة.

التعددية بوصفها عقد صلح

يمكن النظر إلى التعددية السياسية بوصفها عقد صلح يتم بين الإسلاميين وغيرهم،

يجري بموجبه الاتفاق على صيغة الحكم، وتمثيل الشعب، وإدارة البلاد.

وفي ضوء هذا العقد، يلتزم كل طرف بما ورد فيه، ويصبح لزاماً على الإسلاميين الوفاء بالتزاماتهم،

سواء كانوا في السلطة أو خارجها، وسواء شاركوا في الحكومة أو كانوا في المعارضة داخل البرلمان.

رأي المرجعية الدينية

في المقارنة بين النظرية الإسلامية في الحكم وبقية النظريات السياسية،

رفض الشهيد محمد باقر الصدر النظام الملكي والحكومة الفردية بكل أشكالها والحكومة الأرستقراطية،

لكنه اقترب كثيراً من النظام الديمقراطي عندما وصف النظرية الإسلامية بأنها تحتوي على كل النقاط الإيجابية في النظام الديمقراطي،

مع فوارق تزيد الشكل موضوعية وضماناً لعدم الانحراف.

ويتضح من ذلك أن رأي الشهيد الصدر كان أكثر قرباً من النظام الديمقراطي قياساً بغيره من أشكال الحكم والأنظمة السياسية السائدة.

كما أن تنظيره للجمهورية الإسلامية تضمن العديد من المبادئ الديمقراطية، كاللجوء إلى صناديق الاقتراع،

والابتعاد عن منهج التعيين، وتشكيل مجلس نواب، وتأييد النظام الرئاسي، ووجود دستور يمنح الشرعية لرئيس الجمهورية.

وقد أيدت المرجعية الدينية العملية الديمقراطية في العراق بعد سقوط نظام صدام،

وشجعت الإسلاميين على المشاركة فيها، مما يؤكد شرعية المشاركة في العملية الديمقراطية.

فقد أيد آية الله العظمى السيد علي السيستاني وبقية المراجع العظام العملية الديمقراطية،

وأفتوا بوجوب تعيين لجنة لكتابة الدستور، كما أفتوا بوجوب المشاركة في الانتخابات.

وفيما يتعلق بالدستور، رفض السيد السيستاني فكرة تعيين لجنة صياغة الدستور من قبل سلطة التحالف المؤقتة،

وأفتى بوجوب إجراء انتخابات عامة عام 2003. ولما أُثيرت اعتراضات بشأن الوضع الأمني وعدم وجود إحصاء للسكان،

أصر على أن الجهة الوحيدة التي تحدد إمكانية إجراء الانتخابات هي الأمم المتحدة.

الحاكمية الشعبية والإشكال الشرعي

إذا اعتقد البعض بوجود إشكال شرعي على الديمقراطية كنظام للحكم،

بسبب ما يستبطنه هذا النظام من مفهوم يجعل الحاكمية للشعب بدلاً من أن تكون لله سبحانه وتعالى،

فإن الجواب هو أن تكليف الإسلاميين يتمثل في دعوة الأمة إلى الإسلام وتوعيتها لتختار الإسلام برنامجاً سياسياً،

وتختار الإسلاميين مسؤولين لإدارة الحكم وتطبيق برنامجهم السياسي الإسلامي.

فإذا اختار الشعب غيرهم، فلا تخلو القضية من أحد أمور ثلاثة.

الأول أن يكون الإسلاميون قد فشلوا في أساليبهم،

وعليهم حينئذ إعادة النظر في الخطاب والبرنامج السياسي والأداء، ودراسة مواطن الضعف.

والثاني أن الأمة لم تمنحهم الثقة لأنها لا ترى فيهم الكفاءة اللازمة لقيادتها،

وهذا قرار واعٍ من الأمة لا يعني بالضرورة رفضاً للإسلام.

والثالث أن الأمة، أو غالبيتها، لم تستجب لدعوة الحق جهلاً أو مكابرة.

وفي هذه الحالة يكون الإسلاميون قد أدوا تكليفهم الشرعي، بينما تتحمل غالبية المنتخبين مسؤولية خيارها.

غير أن ذلك لا يعني وصم الناخبين من جماهير الأمة بالمروق عن الدين،

بل قد يمثل لوناً من المعصية التي لا ينبغي أن تواجه بالإكراه،

بل بالحكمة والموعظة الحسنة، أو يعكس انخفاضاً في مستوى الوعي، وعلى الإسلاميين أن يدرسوا آليات الارتقاء به.

خاتمة

إن الديمقراطية، بالمعنى السياسي الذي يقوم على التعددية، والتداول السلمي للسلطة،

والانتخابات الحرة، وحماية حقوق الأكثرية والأقلية،

لا ينبغي أن تُفهم بوصفها إيديولوجية مناقضة للإسلام بالضرورة،

بل يمكن النظر إليها كآلية لإدارة الاختلاف وتنظيم الحكم ومنع الاستبداد.

ومن هنا، فإن المشاركة الإسلامية في النظام الديمقراطي ليست خروجاً على الأصالة،

إذا جرى تأصيلها فقهياً، وضبطها بضوابط الشريعة، وربطها بالمصلحة الإسلامية العامة، والوفاء بالعقود والعهود السياسية.

فالتحدي الحقيقي أمام الإسلاميين لا يكمن في رفض الديمقراطية أو قبولها كشعار،

بل في تحويلها إلى وسيلة مسؤولة لخدمة الأمة، وحفظ كرامة الإنسان، وبناء دولة عادلة ومستقرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *