المياه الجوفية … الثروة المهدورة

المياه الجوفية ... الثروة المهدورة
المياه الجوفية ثروة استراتيجية تضاهي النفط، أُهدرت بسبب الإهمال والحفر العشوائي. إدارتها الذكية بالقوانين الصارمة والتقنيات الحديثة تجعلها ركيزة للأمن المائي والغذائي والتنمية، وضمانة لمستقبل العراق وأجياله...

لا يختلف اثنان على أن المياه عصب الحياة، وأن العراق كان عبر تاريخه مهد الحضارات وبلد السواد لأنه عاش على ضفاف دجلة والفرات. غير أن ما غاب أو غيب عن وعينا الجمعي هو أن تحت أقدامنا ثروة مائية صامتة، تنتظر من يمدّ إليها عقلًا راشدًا وإرادة سيادية؛ تلك هي المياه الجوفية، التي تُهدر اليوم بين الإهمال والتسيّب والاستنزاف العشوائي، بينما يمكن أن تكون رافعة استراتيجية لأمننا المائي والغذائي والاقتصادي.

لقد تركت الدولة لعقود طويلة الآبار تُحفر دون تنظيم صارم، والمكامن تُستنزف بلا خطط، والمزارع يعتمد على الضخ الجائر، حتى تحولت هذه الثروة الوطنية إلى مصدر تهديد أكثر من كونها مصدر حماية. فبدلًا من أن تُدار كرصيد استراتيجي يوازي النفط، تُعامل المياه الجوفية كاحتياطٍ ثانوي، أو كحلّ مؤقت حين تجف الأنهار أو تقلصها دول المنبع.

في رؤيتنا للدولة المدنية الذكية السيادية النابضة، لا مكان للهدر ولا مجال للتسيّب. فالمياه الجوفية ليست مجرّد مورد زراعي أو بديل عند الأزمات، بل هي عنصر من عناصر الأمن القومي يُخطط له كما يُخطط للثروة النفطية والغازية.

الدولة الذكية تعني أن تُدار المياه الجوفية بمنظومة استشعار ورقابة لحظية عبر الأقمار الصناعية وأجهزة القياس، وأن يُرسم لكل بئر سجل رقمي يحدد كمية الضخ ونوعية المياه وتكلفة الاستخدام. والدولة السيادية تعني أن لا تُترك القرارات للمصادفات أو المزاجيات، بل تُشرّع قوانين صارمة تمنع الحفر العشوائي، وتربط أي استغلال لهذه الثروة بإطار وطني جامع، لا بمصالح أفراد أو جماعات.

أما الدولة النابضة، فهي التي ترى في المياه الجوفية نبضًا للحياة، فتستثمرها في إعادة توزيع السكان، وفي إنعاش الصحراء، وفي خلق مدن زراعية وصناعية جديدة لا تعتمد فقط على مجاري الأنهار المتناقص.

إن إعادة إحياء الأنبار والجزيرة والبادية الجنوبية لا يكون بالشعارات، بل بتوجيه هذه الثروة المدفونة لتصبح شرايين حياة جديدة في جسد العراق.

المياه الجوفية ليست بئرًا يروي عطش مزارع هنا أو قطيع ماشية هناك، بل هي خزّان المستقبل الذي إن أدرناه بعقلانية ورؤية ذكية صار ضمانة لأجيالنا المقبلة، وإن تركناه نهبًا للعبث تحول إلى كارثة صامتة لا يدركها الناس إلا بعد فوات الأوان.

إن الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة التي ننادي بها، ترى في كل قطرة ماء جوفية قيمة لا تقل عن برميل النفط، وتضعها في صلب استراتيجيتها للبقاء والنمو. وحين نرتقي إلى هذا الفهم، نكون قد حفظنا للعراق ماءه ووجهه، وحجزنا له مكانًا في عالم لا يرحم من يفرّط بثرواته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *