اليمن وإسرائيل: صراع الردع وتحول الجغرافيا إلى استراتيجية

اليمن وإسرائيل: صراع الردع وتحول الجغرافيا إلى استراتيجية
اليمن برز كفاعل إقليمي عبر ضرباته الصاروخية ضد إسرائيل، ما شلّ ميناء إيلات وأربك الردع الإسرائيلي، وفتح باب وساطات إقليمية تقوم على الردع المشروط، ليصبح الصراع جزءًا من إعادة تشكيل موازين القوى بالمنطقة...

منذ أواخر عام 2023، دخلت المنطقة في دورة تصعيد إقليمي غير مسبوقة، لكن التحول المفاجئ والأكثر إثارة للانتباه تمثل في بروز اليمن، وتحديداً جماعة أنصار الله، كفاعل إقليمي مؤثر في معادلة الردع ضد إسرائيل. هذا التحول لم يكن عسكرياً فحسب، بل أعاد تعريف الجغرافيا السياسية، حيث تحوّلت اليمن من ساحة داخلية محاصرة إلى منصة استراتيجية قادرة على التأثير في الأمن الإقليمي والدولي.

التحول العسكري النوعي:

خلال عامي 2024 و2025، كشفت الضربات اليمنية عن تطور لافت في القدرات الصاروخية، أبرزها استخدام صواريخ فرط صوتية تتجاوز سرعتها 13 ماخ، استهدفت مواقع حساسة داخل إسرائيل، مثل مطار بن غوريون وقاعدة نيفاتيم. هذه الصواريخ، التي يصعب اعتراضها حتى من قبل منظومات مثل “حيتس” و”ثاد”، أربكت الدفاعات الجوية الإسرائيلية وأحدثت أضراراً مباشرة، ما كشف عن ثغرات في نظام الردع الإسرائيلي.

كما استخدمت القوات اليمنية صواريخ متشظية ذات رؤوس عنقودية، ما زاد من تعقيد عمليات الاعتراض، وأدى إلى إصابات متعددة في محيط الأهداف، فضلاً عن تأثير نفسي واسع النطاق داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث أُجبر ملايين السكان على دخول الملاجئ في تل أبيب والجنوب.

الأثر الاقتصادي والدولي:

الهجمات اليمنية على السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر وباب المندب تسببت في شلل شبه كامل لميناء إيلات، وانخفاض حركة المرور في قناة السويس بنسبة تجاوزت 70%، وفق تقارير من وكالة بلومبيرغ ومركز صنعاء للدراسات. هذا التعطيل رفع تكاليف الشحن والتأمين عالمياً، وأدخل الاقتصاد الدولي كطرف غير مباشر في الصراع، ما دفع الولايات المتحدة وبريطانيا إلى إطلاق عمليات بحرية لحماية الملاحة، مثل “حارس الازدهار”.

مأزق الردع الإسرائيلي:

رغم امتلاك إسرائيل لتفوق تقني واستخباراتي، فإنها تواجه معضلة استراتيجية

الضربات اليمنية لا يمكن تحييدها بالكامل، واستمرار المواجهة يعني استنزافاً عسكرياً واقتصادياً، وتآكلاً في صورة الردع أمام الداخل والخارج. كما أن الربط الرمزي بين دعم اليمن لغزة والهجمات على إسرائيل عزز من شرعية أنصار الله في الوعي العربي والإسلامي، ووسّع دائرة التأييد الشعبي لهم.

المفارقة الدبلوماسية:من الضغط العسكري الى الوساطة:

ورغم أن اليمن هو الطرف الذي يعطل الملاحة المرتبطة باسرائيل ضمن سياق ردعه المشروع، إلا أن بإمكانه بناء حزام دبلوماسي إقليمي عبر خطاب تفاوضي ذكي، يربط التهدئة بضمانات إنسانية وسياسية. دول مثل سلطنة عمان وقطر ومصر، المتضررة من تعطيل التجارة، قد تجد في الوساطة مصلحة مشتركة، خاصة إذا عرض اليمن ضمانات بعدم استهداف مصالحها، مقابل دعم سياسي أو إنساني لقضيته. هذا ما يُعرف في الاستراتيجية بـ”الردع المشروط”، وهو ما بدأت بعض الدول فعلاً في فهمه.

السيناريوهات المحتملة خلال الأشهر الأربعة المقبلة:

في ظل تسارع الأحداث، يمكن اختزال المشهد إلى تغيرات دراماتيكية سريعة. من المحتمل أن تحدث تهدئة مفاجئة عبر وساطة إقليمية تربط وقف الهجمات بضمانات إنسانية، خصوصاً إذا تصاعد الضغط الدولي من الدول المتضررة اقتصادياً. كما أن احتمال التصعيد الشامل يبقى قائماً، في حال قررت إسرائيل شن هجوم واسع على صنعاء أو الحديدة، رغم أن هذا الخيار محفوف بالمخاطر. وهناك أيضاً إمكانية لصفقة متعددة الأطراف تشمل غزة واليمن وملف الملاحة الدولية، وهو سيناريو تزداد فرصه مع تزايد الضغوط الاقتصادية. أما احتمال انهيار داخلي في أحد الطرفين بسبب ضغط شعبي أو اقتصادي، فيبقى ضعيفاً حالياً لكنه غير مستبعد إذا استمرت المواجهة دون أفق سياسي.

الخاتمة:

المواجهة اليمنية–الإسرائيلية لم تعد مجرد تبادل ضربات، بل تحوّلت إلى معركة رمزية واستراتيجية تعيد تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط. وإذا أحسن اليمنيون إدارة هذه اللحظة، فإنهم أمام فرصة تاريخية للانتقال من التعطيل إلى التأثير، ومن المقاومة إلى صناعة المعادلات الإقليمية الجديدة، في مشهد يتجاوز الجغرافيا ليكرّس حضوراً استراتيجياً يصعب تجاهله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *