شهادة جيل/ الحلقة الثانية

شهادة جيل/ الحلقة الثانية
شكّل العمل الدعوي في الكرادة الشرقية خلال عقدٍ مضطربٍ محطة أساسية لنضوج الوعي الديني والسياسي لجيل من الشباب. رغم التحديات والاضطهاد، بقيت التجربة رمزًا للالتزام والفكر والتنظيم، ومصدرًا للأسئلة المستمرة حول التضحية والهوية...

حزب الدعوة في الكرادة الشرقية (١٩٦٦–١٩٧٦)

كان عام ١٩٦٦ منعطفًا حاسمًا في حياتي. إذ اندفعتُ، وأنا في السابعة عشرة من عمري، نحو الانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامية مدفوعًا بإيمان عميق بأن إقامة الدولة الإسلامية في العراق هي الفريضة الكبرى، والحلم الذي يستحق أن تُسخَّر له الجهود وتُبذل من أجله التضحيات. كنتُ أرى في الدعوة إطارًا يجمع بين الدين والعمل، بين الإيمان والفعل، بين الفكرة والواقع.

ولم يكن مكاني اليومي بعيدًا عن هذا الحلم؛ فقد صرتُ أتردد بشكل شبه يومي على حسينية آل مباركة في الكرادة الشرقية. كانت تلك الحسينية أشبه بالخلية النابضة: هناك كنا نتعرّف على الشباب، نتهيأ نفسيًا وفكريًا لننقلهم خطوةً خطوةً نحو الانضمام إلى حزب الدعوة السري. كان الجو مزيجًا من السرية والحماسة، من التوجس والأمل، وكانت الكرادة بحق واحدة من أبرز محطات النشاط الدعوتي في بغداد.

في تلك الحسينية تعرفتُ على رجال تركوا أثرًا عميقًا في عقلي ووجداني. في المقدمة كان السيد مرتضى العسكري، العالم الجليل، المتبحر، الذي منحنا بفيض علمه ورسوخ إيمانه زادًا لا ينضب. وإلى جانبه جيل من المثقفين الشباب الذين أخذوا بأيدينا إلى عوالم الفكر الحديث:

  • السيد زهير الحسني كان يدرّسنا علم الاجتماع.
  • السيد يعقوب الغلامي فتح لنا أبواب علم الاقتصاد.
  • الأستاذ غالب الشابندر قادنا في دهاليز الفلسفة.
  • ثم جاء لاحقًا الأستاذ سامي البدري ليضيف لونًا جديدًا إلى هذه المدرسة المتعددة المشارب.

لقد كانت حسينية الكرادة شعلةً من النشاط، أشبه بجامعة غير رسمية، يتلاقى فيها الدين مع الاجتماع، والفكر مع السياسة، والحلم مع التنظيم.

لكن رياح السياسة في العراق لم تترك هذه التجربة تنمو بهدوء. ففي عام ١٩٦٩ بدأ حزب البعث حملته الظالمة ضد حزب الدعوة، مستهلًا ذلك باتهام السيد مهدي الحكيم، نجل المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم، بالعمالة. كانت تلك الاتهامات بداية موجة طويلة من الملاحقات والاعتقالات، اتسعت رقعتها عامًا بعد عام. وبلغت ذروتها عام ١٩٧٤ حين اعتقلت السلطة الشيخ المجاهد عارف البصري وعددًا من قيادات الدعوة، ثم أعدمتهم بدم بارد، لتزرع الخوف في القلوب والارتباك في الصفوف.

وفي خضم هذه الأجواء الملتهبة، جاء انشقاق سامي البدري عن حزب الدعوة ليضاعف الارتباك، ويترك أثرًا عميقًا في تنظيم الكرادة الشرقية، حيث كنت أعمل. ومع مرور الوقت أخذ نشاطي الحزبي يتراجع تدريجيًا، وكأن السنوات العشر التي قضيتها في هذا العمل السري كانت تصل إلى خاتمتها الطبيعية.

وفي ١٧ تموز/يوليو ١٩٧٦ غادرتُ العراق، تاركًا وراء ظهري عشر سنوات من العمل الدعوتي السري في الكرادة الشرقية. كانت تلك السنوات خليطًا من الحلم والحماسة والمرارة والخسارة. وبعد أسابيع قليلة، وصلتُ إلى الكويت في أيلول/سبتمبر ١٩٧٦، مفتتحًا فصلًا جديدًا من حياتي الفكرية والعملية، فصلًا لم ينفصل يومًا عن ذلك العقد المشتعل الذي صاغ وعيي ورسم ملامح مساري.

وهكذا كانت الكرادة الشرقية أكثر من حيٍّ في بغداد بالنسبة لي؛ كانت مسرحًا لتجربتي الأولى في العمل الحزبي والفكري، ومختبرًا لنضوج الوعي الديني والسياسي. هناك تفتحت مداركي، وهناك عرفتُ معنى الالتزام والتضحية، وهناك أيضًا اختبرتُ هشاشة التنظيم أمام عواصف الاستبداد. لذلك ظلّت الكرادة محفورةً في ذاكرتي باعتبارها المحطة الأبرز في حياتي الحزبية، ومنطلق الأسئلة التي ستلازمني طويلًا.

ومن الكويت بدأت رحلة جديدة سترويها الحلقة الثالثة من شهادة جيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *