محمد ﷺ

محمد ﷺ
وُلد النبي محمد ﷺ يتيمًا في عام الفيل، ونشأ بين رحمات الله ورعاية أحبائه. بعثه الله برسالة التوحيد، فواجه الصعاب وصبر حتى نصره الله. رسالته خالدة، تدعو إلى الإيمان، الرحمة، والوحدة بين البشر....

تتهامس النجمات فيما بينها، وهي تراقب ذاك النور المنبعث من مكة صعودًا إلى عنان السماء، ليضيء الكون بنور لم يشهد له مثيلًا منذ خلق الله الأكوان وبعث فيها الحياة، وابتدأ على الأرض خطى البشرية. أما الملائكة فخرجوا يسبّحون الخالق فرحين بولادة سيد البشر وحبيب رب العالمين: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، المكتوب في قدره أنه سيغيّر مسيرة ومصير البشرية، وسيختم الله به رسله وأنبياءه، فلا كلام بعد كلامه ولا كتاب بعد كتابه.

إنه عام الفيل، حين أراد أبرهة هدم البيت العتيق، فكانت الأبابيل تصون الكعبة وتعطي الأمن والأمان لآمنة لتضع مولودها، الذي اصطفاه الله دونًا عن الناس أجمعين، ليحمل البشرى والرسالة إلى كل بقاع الأرض، وليكون داعيًا بكلمات الله للبشرية جمعاء: أن اعبدوا ربكم ولا تشركوا به شيئًا. إنها الوحدانية لله سبحانه وتعالى.

جاء الطفل المبارك يتيمًا، فقد خسر أباه قبل ولادته، ثم خسر أمه بعد ولادته، فعاش في كنف جدّه عبد المطلب، ثم قيّض الله له أن يتربى بلا إخوة، وكأن الله أراد أن يكون هو عائلته الوحيدة.

الصادق الأمين، هكذا كان لقبه عند كفار قريش في الجاهلية. كان بشرًا لكن بأخلاق الملائكة. تنقّل بين الكفلاء حتى وصل إلى عمه المحب أبو طالب وزوجته فاطمة بنت أسد، حيث تربى مع أبناء عمه معززًا مدللًا، تحنّ عليه زوجة عمه، تهتم به أكثر من أبنائها، وتغرس في قلوب أولادها حبّ ابن عمهم اليتيم.

حتى شبّ عن الطوق، فدخلت حياته امرأة من أشرف نساء مكة: خديجة بنت خويلد، التي كانت بنفسها ومالها وأبنائها منه العون والنصير، والداعم والمحب. حتى كان الوحي في غار حراء، وكانت الدعوة والرسالة، ومنذ ذلك الوقت صار جبريل عليه السلام رفيقه وأخاه، والرسول بينه وبين الله. وهبط عليه بكلمات الله، لتكون معجزته المحفوظة إلى قيام الساعة: القرآن الكريم.

كانت الدعوة إلى الله الواحد الأحد مليئة بالصعاب، فقد قال صلوات الله عليه وعلى آله:

«ما أوذي نبي كما أوذيت».

فكفار مكة لم يتركوا وسيلة إلا وحاربوا بها الرسول، لأن عبادة الأصنام كانت عندهم تجارة أكثر منها دينًا.

ثم اشتدّ البلاء بفقدان زوجته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، ثم فقدان عمّه أبي طالب، فكان ذلك العام بحق عام الأحزان. لكنه ربح في المقابل أسد بني هاشم، حمزة، الذي أصبح المدافع عنه والقائد لجيشه الصغير يوم بدر، حيث قاتل 313 رجلًا من المسلمين جيشًا عظيمًا، فحاكى النصر قصص الأساطير رغم قلّة العدد.

قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (الصف: 6).

وكانت البشارة من فم نبي ورسول بقدوم حبيب الله، الذي قال الله في حقه:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4).

وتمرّ الأيام والسنون، فيهجر من مكة التي أُخرج منها قلبه، إلى المدينة التي آوته ونصرته، فاستقبلته بكل حب. قال الله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: 74).

وانطلقت الرسالة التي كانت أمانة الله عند طه، يحملها هو وأصحابه وآل بيته إلى مشارق الأرض ومغاربها.

خاضوا بدرًا، أحدًا، الخندق، تبوك، حنين، خيبر، مؤتة، وغيرها الكثير. وكان فتح مكة، حيث اجتمع كفار قريش بين يدي النبي ﷺ، وهم في خوف مما ينتظرهم بعد أن كادوا له وآذوه وقاتلوه. لكن الرحمة غلبت، والعفو تجلى، فقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

وعاد الرسول مع الأنصار إلى المدينة التي أحبّته وأحبها. وحين خشي أهلها أن يبقى في مكة بين أهله، قال:

«يا معشر الأنصار، قلتم: أما الرجل فقد أدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؟»

قالوا: قد قلنا ذاك يا رسول الله.

فقال: «كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم. المحيا محياكم، والممات مماتكم».

فبكوا وقالوا: والله ما قلنا إلا ضنًّا بالله ورسوله. فقال: «وإن الله ورسوله يصدّقانكم ويعذرانكم».

وهكذا تجلّت محبته للمدينة وأهلها، وردّ لهم الجميل.

وفي السنة الحادية عشرة للهجرة، يطلب الله نبيه وحبيبه وخير خلقه ﷺ إلى جواره. فلبّى النداء، وكان قول الله:

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144).

ثبت من ثبت، وارتدّ من ارتدّ، لكن الرسالة بقيت، وعبرت في ممرات التاريخ، حتى وصلت إلينا اليوم.

نحن اليوم أكثر من مليارَي مسلم نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. ولكن كثيرًا من الإسلام صار كغثاء السيل، كما قال تعالى:

﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات: 14).

وإلى أن يصحو المسلمون ويدخلوا في الإيمان كافة…

سلام من الله إليكم، وكل عام وأنتم بخير بمولد الرسول الأعظم ﷺ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *