ما مغزى الأسماء في الشرق الأوسط؟ مجلة الإيكونوميست، 21 آب (أغسطس) 2025

ما مغزى الأسماء في الشرق الأوسط؟ مجلة الإيكونوميست، 21 آب (أغسطس) 2025
تعكس تغييرات أسماء الشوارع والساحات في الشرق الأوسط صراعات سياسية وهويات متنافسة، حيث تُستخدم التسمية أداة لإعادة كتابة التاريخ أو طمس الذكريات المؤلمة، ما يجعل الأسماء مرتبطة بالسياسة المعاصرة أكثر من تقييم الماضي الفعلي....

أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة ولاية كنساس، الولايات المتحدة الأمريكية

تم تسمية أول طريق تسلكه بعد وصولك إلى لبنان باسم شخص غير لبناني قتل آلاف اللبنانيين. ولعقود، عُرف طريق المطار السريع باسم شارع حافظ الأسد، تيمّنًا بالديكتاتور السوري الراحل. وقد بدا هذا الخيار غريبًا لدى بعض الزوار، إذ كان نظام الأسد مُحتلًا غير مرغوبٍ فيه في لبنان لثلاثة عقود، وهو ما يُشبه إلى حدٍ ما تسمية طريق المطار في وارشو باسم جوزيف ستالين.

ازداد الأمر غرابةً في كانون الأول (ديسمبر) العام الماضي، عندما أطاح ثوارٌ سوريون بنظام الرئيس بشار الأسد، نجل الديكتاتور حافظ الأسد. وبينما كانوا يُسقطون رموز حكم العائلة، ظلّ اسم الأسد الأب صامدًا على امتدادٍ من الأسفلت في جنوب بيروت. لكن هذا لم يعد الحال. ففي الخامس من آب (أغسطس) الماضي، أعلنت الحكومة اللبنانية أنها ستعيد تسمية الشارع باسم زياد رحباني، الفنان المحبوب الذي توفي قبل أسبوع من ذلك التاريخ.

تُعدّ الخلافات حول الأسماء جزءًا لا يتجزأ من الحياة العصرية. أمرت إدارة الرئيس جو بايدن الجيش الأمريكي بإعادة تسمية القواعد العسكرية التي سُمّيت تيمنًا بضباط حقبة الكونفدرالية (مع أن الرئيس دونالد ترامب أعاد العديد من الأسماء الأصلية إلى ما كانت عليه). وفعلت المجالس البريطانية الشيء نفسه مع تجار الرقيق. تتغير الأزمنة، وتتغير معها الحساسيات. لكن في الشرق الأوسط، حيث الماضي ليس ماضيًا دائمًا، غالبًا ما تكون هذه الخلافات أقل ارتباطًا بإعادة تقييم التاريخ منها بالسياسة المعاصرة.

السياسة تشكل تسمية الأماكن

في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، أطلقت طهران اسم خالد الإسلامبولي على أحد شوارعها، تيمنًا باسم الضابط المصري الذي قام باغتيال الرئيس أنور السادات، ثالث رؤساء بلاده. كان المنطق فظًا لكنه واضح. فقد آوى الرئيس السادات شاه إيران محمد رضا بهلوي بعد خلعه عام 1979. وعقد معاهدة سلام مع إسرائيل. كانت تسمية شارع باسم قاتله طريقةً فجةً من قبل الجمهورية الإسلامية الناشئة لإظهار مصداقيتها الثورية. لم يعجب المصريون هذا القرار، إذ ظلّ الاسم مصدرُ توترٍ دبلوماسي بين البلدين لعقود.

في الشهر الماضي، أزالت مدينة طهران اسم خالد الإسلامبولي واستبدلته باسم حسن نصر الله، زعيم حزب الله، وهي ميليشيا شيعية لبنانية، المغدور من قبل إسرائيل. لم يقم النظام في إيران بعد بإعادة تقييمٍ لموقفه المُعادي للرئيس السادات. لكنه يشعر بالعزلة بعد حربه الكارثية مع إسرائيل الصيف الماضي. إيران بحاجة إلى أصدقاء في المنطقة؛ ولم يعُد استعداءُ مصر يُجدي نفعًا.

الأسماء تمحي ذاكرة الأحداث

في أحيان أخرى، يتم تغيير الأسماء لمساعدة الناس على النسيان. عندما خرج البحرينيون إلى الشوارع في كانون الثاني (يناير) 2011 احتجاجًا على النظام الملكي المطلق، أقاموا مخيمًا في دوار اللؤلؤة، وهو دوار مروري في العاصمة المنامة يبرز فيه تمثالٌ للؤلؤة (إشارةً إلى اقتصاد البحرين الذي كان يعتمد سابقًا على صيد وتجارة اللؤلؤ).

بعد شهرٍ من انطلاق الاحتجاجات، هدمت الحكومة النصب التذكاري. وتوقف المسؤولون عن الإشارة إلى الدوار باسمه الشائع، وأصروا على استخدام الاسم الرسمي (وإن كان غير معروف): دوار مجلس التعاون الخليجي.

بعد بضع سنوات، تم إزالة الدوار كليًا. أصبح هذا الجزء من الطريق السريع الآن تقاطعًا سُمي على اسم عمر بن الخطاب، الخليفة الذي عاش في القرن السابع الميلادي، والذي يُبجله السنة، بينما يُبغضه الشيعة، إذ يعتبرونه مغتصبًا للسلطة. ولعلّ الدلالات الطائفية لم تكن محض صدفة: فالعديد من المتظاهرين في عام 2011 كانوا من الشيعة.

لقد دفعت مصر أسماءً كثيرة إلى غياهب النسيان منذ أن أطاح الجيش بالرئيس محمد مرسي، الرئيس المنتخب شعبيًا، من خلال تدخلً عسكري عام 2013. نظم أنصاره اعتصامًا لمدة شهرين احتجاجًا على التغيير بالقوة في ساحة تقع شرق القاهرة. عندما قامت قوات الأمن بفض الاعتصام في شهر آب (أغسطس) من ذلك العام، مات المئات من المعتصمين، وهو اليوم الأكثر دموية في تاريخ مصر الحديث. أصبح اسم الميدان، الذي كان يُعرف باسم رابعة العدوية، مرادفًا للحادث الدموي القاسي. لذا حاولت الحكومة منع الناس من التلفظ به. في عام 2015 أعادت الحكومة المصرية تسمية الميدان على اسم النائب العام بعد اغتياله في تفجير سيارة مفخخة.

التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن الانتصارات في الشرق الأوسط غالبًا ما تكون هشة. على الرغم من مغادرة الجيش السوري لبنان عام 2005، إلا أن نظام الأسد احتفظ بنفوذٍ عميق في البلاد لسنواتٍ عديدة. استغرق الأمر حتى هرب بشار الأسد إلى موسكو من أجل إزالة أي أثر تافه للحكم السوري في لبنان. قد يستغرق الأمر وقتًا أطول لإعادة تسمية الشارع الآخر المؤدي إلى المطار، الذي تمت تسميته ليس على اسم شخصية لبنانية شهيرة، بل على اسم آية الله روح الله الخميني، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *