تعود إلى الواجهة دعوات تحويل قضاء الزبير في جنوب العراق إلى محافظة مستقلة عن البصرة. ورغم أن المطالب تبدو إدارية في ظاهرها، إلا أن خلفياتها وأبعادها الاقتصادية والبحرية تجعلها قضية وطنية حساسة تمس مستقبل البصرة والعراق بأكمله.
أولًا: ثقل الزبير الاقتصادي والبحري
النفط والطاقة: حقل الزبير من أبرز الحقول العراقية، وتقديرات الإنتاج فيه تتراوح بمئات الآلاف من البراميل يوميًا. تطويره من قبل شركات عالمية جعله أحد أعمدة الصادرات النفطية.
الموقع البحري: الزبير لا يقتصر على امتداد صحراوي، بل يتصل مباشرة بـ خور الزبير، حيث تقع موانئ التصدير مثل أم قصر وخور الزبير. أي محاولة لفصل القضاء ستؤثر على هذه المرافئ الحيوية.
الصناعة والتجارة: يربط القضاء البصرة بالحدود الكويتية والسعودية ويضم منشآت صناعية وتجارية، مما يجعله مركزًا اقتصاديًا يتجاوز الحدود المحلية.
ثانيًا: لماذا البصرة مستهدفة؟
البصرة هي الرئة البحرية للعراق، حيث تمر معظم صادرات النفط عبرها. لذلك فإن أي خطوة لتفتيتها – عبر فصل الزبير – تمثل تهديدًا مباشرًا للسيادة الاقتصادية. بالمقابل، محافظات واسعة مثل الأنبار لا تملك نفس الثقل البحري أو النفطي، ولهذا لم تشهد دعوات تجزئة مماثلة.
ثالثًا: السياق السياسي
محليًا: هناك مطالبات برلمانية وشعبية محدودة بإنشاء محافظة الزبير، تقابلها معارضة من سلطات البصرة وخبراء يرون أن ذلك يمس المصلحة العامة.
خارجيًا: تحذّر بعض الدراسات الدولية من أن تجزئة المحافظات الغنية بالثروات قد يسهل ربطها باتفاقات استثمارية أو نفوذ إقليمي، مما يضعف سلطة الدولة المركزية.
رابعًا: المخاطر الحقيقية
- تهديد سيطرة العراق على موانئه البحرية وخطوط تصدير النفط.
2.إضعاف مكانة البصرة وتحويلها إلى كيان محدود المنافذ.
3.فتح الباب لتدخلات خارجية واستثمارات قد تُدار بعيدًا عن بغداد.
خامسًا: مسارات المواجهة
سياسيًا: تشكيل جبهة وطنية ومحلية ترفض أي فصل يهدد الموانئ والثروات.
قانونيًا: إلزام أي تغيير إداري بمراجعة دستورية شاملة وبموافقة أغلبية وطنية.
تنمويًا: إطلاق خطة خدمية عاجلة في الزبير لمعالجة مشاكل الكهرباء والماء والبطالة، حتى لا يُستغل غياب الخدمات ذريعة للفصل.
إعلاميًا: توعية الرأي العام بخطورة المشروع على وحدة العراق ومصالحه الاقتصادية.
إن الزبير تمثل ركيزة اقتصادية لا يمكن فصلها عن البصرة، إذ تضم حقول نفطية استراتيجية وموانئ تصديرية تجعلها بوابة رئيسة للإيرادات الوطنية. وأي محاولة لعزلها إداريًا ستؤدي إلى إرباك حركة التجارة وخطوط الإمداد اللوجستية، فضلًا عن إضعاف قدرة الدولة على إدارة مواردها بصورة متكاملة. كما أن فقدان التكامل الاقتصادي بين الزبير والبصرة سيضاعف التكاليف التشغيلية ويحد من فرص التنمية المستدامة.
خاتمة:
الزبير ليست مجرد قضية محلية، بل عقدة نفطية وبحرية تساوي مستقبل العراق الاقتصادي. لذلك فإن الحل لا يكمن في تقسيم البصرة، بل في تعزيز التنمية والخدمات داخل إطارها الموحد، وتحصين مواردها من أي مشروع قد يهدد سيادة الدولة أو يخنق منفذها البحري الوحيد.


