الحشد الشعبي المقدس، القوة العقائدية الضاربة

الحشد الشعبي المقدس، القوة العقائدية الضاربة
الحشد الشعبي نشأ من فتوى الجهاد لمواجهة الانهيار الأمني، وأصبح ركناً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني العراقي. الإصلاح الداخلي والتنظيم القانوني ضروريان لحفظ توازن الدولة، بينما أي دعوة للحل تفتقر للحكمة وتعرض الأمن الوطني للخطر...

 بين دعوات الإصلاح الصادقة وتلميحات الحل المشبوهة

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العراق والاقليم، يعود الجدل مجددا حول مستقبل الحشد الشعبي المقدس، تلك القوة التي خرجت من رحم فتوى الجهاد الكفائي، لتتحول إلى معادلة ثابتة في أمن العراق وميزانه العسكري الردعي.

وبين دعوات الإصلاح وتلميحات الحل، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للعراق، بظروفه الحالية، أن يستغني عن هذه القوة العقائدية؟

•الحشد: وليد الفتوى المقدسة:

الحشد الشعبي التشكيل العسكري الجديد، الذي ولد في ظرف استثنائي عام 2014، حين انهار الجيش العراقي أمام زحف تنظيم داعش، وهددت الدولة بالسقوط، وهرع عشرات الآلاف من الشباب تلبية لنداء المرجعية الدينية، فتحول الحشد إلى قوة عقائدية ضاربة ملأت الفراغ الذي تركته المؤسسة العسكرية.

وبسبب اهمال الحكومات المتعاقبة في سن قانون لتنظيمه، لم يكن الحشد كيانا سهل التصنيف، فلا هو جيش رسمي، ولا هو قوات رديفة لأنه مستقل، وظل طيلة سنواته يتأرجح بين الولاء للدولة والارتباط الديني والرمزي بــ “القدسية” التي اكتسبها من الفتوى، وهذا ما جعله عرضة للتسييس أحيانا، وللاستهداف الإعلامي والسياسي المغرض أحيانا كثيرة.

• بين ضرورة الإصلاح واستحالة الاستغناء:

لا يمكن إنكار أن الحشد، كأي مؤسسة كبرى نشأت في ظرف استثنائي، تحمل في داخلها عناصر قوة وعناصر ضعف، فالتوسع الكبير في العديد، والتنوع الكبير في الصنوف والمهام، وتفاوت المرجعيات العقائدية والسياسية، وحتى الاختلاف في مستوى الانضباط، كلها تحديات داخلية مهمة.

لكن دعوات “حل الحشد” أو دمجه، تثير شكوكا ومخاوف حقيقية، ليس لدى جمهور الحشد فقط، بل حتى لدى معارضيه، فالعراق لا يزال بلدا هشّ البنية الأمنية، وجيشه وإن تعافى جزئيا، لكنه لا يملك بعد التسليح الكافي، ولا القدرة الكافية للانتشار الكامل، والاستجابة السريعة على امتداد الجغرافيا العراقية، خاصة في المناطق الشمالية والغربية والحدودية.

من هنا، فإن الحديث عن مستقبل الحشد والدعوات الى “الحل أو الدمج”، تثير الشبهات والشكوك، لدى الكثير من المراقبين، خاصة وأنها جاءت في هذا الوقت الصعب.

•إرث مهندس الانتصارات والرؤية الاصلية:

حين يذكر الحشد الشعبي، لا يمكن تجاوز اسم القائد الشهيد أبو مهدي المهندس، الذي لم يكن أبرز مؤسسي الحشد وحسب، بل كان المهندس الفعلي لمشروعه البنيوي والعقائدي، والذي لم يكن يرى في الحشد مجرد قوات طوارئ قتالية، بل يراه “بنية عقائدية مرنة” تتكامل مع مؤسسات الدولة، وتسدّ ثغراتها في أوقات الحرب وأوقات السلم.

كان الشهيد المهندس يؤمن إيمانا راسخا أن مشروع الحشد ينبغي أن يُبنى على أسس الانضباط، والارتباط الدستوري بالقيادة العامة للقوات المسلحة، وقد بذل جهودا كبيرة لتحقيق هذا التوازن، بين الحفاظ على عقيدة المقاتلين من جهة، ومنع الانفلات أو التسييس من جهة أخرى.

لكن، بعد غيابه، بدأت تتضح الفجوة بين الرؤية التأسيسية التي أرادها، وما آلت إليه بعض الممارسات أو الاجتهادات التي تورطت بها بعض الجهات والمسؤولين، وهذا لا يُقلل من مكانة الحشد ولا من بطولاته، إنما يعيد طرح السؤال: كيف نحافظ على جوهر الفكرة، دون أن نسمح بخروجها عن المسار الاصلي الذي رسمه مؤسسها؟

إن استحضار إرث المهندس لا يجب أن يكون عاطفيا فقط، بل هو مسؤولية إصلاحية نابعة من داخل الحشد ذاته، ليبقى الحشد كما أراده، درعا للعقيدة والوطن، وقوة عقائدية منضبطة، لا ذراعا حزبيا مسيسا.

•السيناريوهات المستقبلية: ماذا لو عاد التهديد من الغربية؟

التحولات الأخيرة في المنطقة، خاصة سقوط النظام السوري، واستيلاء قوى ارهابية على السلطة في دمشق، تعيد شبح المشاريع الطائفية إلى واجهة المشهد العراقي، فإذا عادت التنظيمات التكفيرية للتمدد على تخوم الحدود الغربية، أو حصل انهيار أمني مفاجئ في بعض المحافظات، هل سيكون الجيش وحده قادرا على المواجهة؟

في هذه اللحظة، تبدو الحاجة إلى قوة عقائدية مرنة، ذات خبرة ميدانية، كالحشد الشعبي، مسألة استراتيجية، لا عاطفية، لكن هذه الحاجة لا تعني التغاضي عن ملفات الإصلاح، بل تعني التعاطي مع الحشد كذراع ضاربة، في منظومة الدولة الأمنية، وإنها قابلة للتطوير، لا كملف سياسي قابل، للتفاهمات بين الفرقاء في الداخل، او الضغوطات من الخارج.

•الدولة القوية لا تخشى الحشد… بل تنظمه:

إن بناء دولة قوية لا يمر عبر تحجيم قواها العقائدية، بل عبر تأطيرها دستوريا وقانونيا، ودمجها وظيفيا ضمن منظومة السيادة، فالدولة التي تفكك مؤسساتها الأمنية العقائدية في ظرف هش، انما تفتح الباب امام الفوضى، وتهدد الاستقرار.

الحشد الشعبي ليس ملفا انتخابيا ولا أزمة سياسية، بل هو مؤسسة امنية عراقية فريدة، نجحت في انقاذ العراق، من أخطر تهديد مر به في تاريخه الحديث، ولن يرضا الشعب ان يخضع منقذه المقدس للمساومة او المزايدات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *