صراع شيعة العراق اليوم ليس صراع مقاعد أو انتخابات أو صفقات عابرة، انما هو معركة بقاء ومعركة وجود، والتاريخ يثبت أن الأمم لا تمحى بالقوة وحدها، بل تستنزف بالانقسامات، وتكسر عندما تتراجع إرادتها عن حماية نفسها.
شيعة العراق، مع كونهم الأغلبية المطلقة في هذه البلاد، لكنهم يواجهون بيئة داخلية وإقليمية ودولية، تتقاطع فيها مشاريع ابادة وتصفية، تتحرك بأبعاد دينية طائفية مشتعلة، من غزة إلى الخليج، ومن واشنطن إلى تل أبيب.
-
الشيعة في العالم تحت المجهر بعد غزة
الوقوف الأخلاقي والمبدئي مع أطفال ونساء الذين يذبحون في غزة لم يكن تفصيلا عاديا، وانما كان موقفا كاشفا عن الذي يملك قلبا حيّا في العالم، وعمن يبيع الدم الفلسطيني في أسواق التطبيع.
هذا الموقف جعل الشيعة، من إيران إلى لبنان، ومن العراق إلى اليمن، يصنّفون كقوة عقائدية لا يمكن استيعابها ضمن منظومة الهيمنة الغربية، وبالتالي وضعوا في خانة الاستهداف الاستراتيجي المفتوح.
- شيعة العراق ومحور المقاومة… انحياز بالضرورة
منذ 2003 حاولت الولايات المتحدة أن تصنع من شيعة العراق نموذجا مشابها لحلفائها العرب، قوة محلية خاضعة، تدير الحكم وتغطي الهيمنة، لكن هذا المشروع اصطدم بحقيقة لم يتوقعها الأميركيون:
-اختلاف المرجعيات لم يمنع الشيعة من رفض التأقلم مع الاحتلال.
-محاولات تفكيك البيئة الشيعية أو إغراقها بالفساد لم تلغِ نزعة الهوية والاستقلال.
وبالتدريج، صار شيعة العراق -حتى من دون إعلان رسمي- جزءا عضويا من محور المقاومة، لأن البديل الوحيد كان الانتحار السياسي والذوبان الكامل في مشاريع الأعداء.
-
محيط طائفي لا يخفي عداءه
البيئة العربية والخليجية تنظر إلى حكم الشيعة للعراق كـ “خلل تاريخي” يجب تصحيحه، لا كتحوّل طبيعي فرضته حقائق الديموغرافيا والسياسة.
تركيا، بدورها، تستخدم البعد المذهبي كأداة نفوذ، مستعيدة أطلال السلطنة العثمانية في أزياء قومية حديثة.
وهذا يعني أن شيعة العراق، حتى لو تصرفوا بحسن نية، فهم محاصرون بجوار لا يخفي حقده الطائفي ولا يريد صعودهم السياسي.
-
الخنجر الداخلي
التحدي الأخطر ليس في الخارج وحده، بل في داخل البيت الشيعي ذاته، فبعض أبناء هذه البيئة (خونة الشيعة) لا زالوا يحملون عقدة الدونية، أو يلهثون خلف المال، أو يرتمون في أحضان المحتل، ليصبحوا خناجر مغروسة في الخاصرة.
هؤلاء لا يحتاج العدو أن يحرّكهم كثيرا، يكفي أن يتسللوا إلى مفاصل القرار، أو يشعلوا نيران الخلافات، حتى يبدأ الانهيار من الداخل.
- العراق في عيون إسرائيل
إسرائيل، التي تقرأ الجغرافيا بعين استراتيجية، تدرك أن العراق إذا بقي بيد امة ترفض التطبيع، سيظل سدا أمام تمددها السياسي والاقتصادي والأمني نحو العمق العربي.
وبالنسبة لمشاريعها، فأن حكم الشيعة في بغداد يعني أن جدارا هائلا يمنعها من تحويل العراق إلى ساحة نفوذ، أو ممرا آمنا لمخططاتها.
-
بين النهوض والانهيار
الأيام والشهور القادمة ستكون اختبارا وجوديا لشيعة العراق، لأن التوازن الإقليمي يتغير بسرعة، وأي فراغ سياسي أو ضعف داخلي سيملأ بلا رحمة.
السيناريوهات المتوقعة:
-سيناريو النهوض: إذا نجح الشيعة في ردم فجوة خلافاتهم، وإعادة ترتيب بيتهم السياسي والأمني والاقتصادي، سيتحول العراق إلى مركز ثقل لمحور المقاومة، وبيئة قادرة على حماية قرارها الوطني وتثبيت هوية سياسية مستقلة، حتى ضمن الضغوط الأمريكية والإقليمية.
وهذا السيناريو يجعل من العراق وشيعته رقما صعبا، ويحوّل كل التهديدات إلى أوراق قوة لصالحهم.
-سيناريو الانهيار: إذا استمر التشرذم، واستفحل الفساد، ونجح الطابور الخامس في ضرب الثقة الشعبية، سيفتح الباب لعودة مشاريع الانقلاب السياسي، وإدخال العراق في حرب أهلية ناعمة، تبدأ بالإرباك الاقتصادي وتتهيأ لتغيير بنية الحكم بالكامل.
حينها، لن يبقى الحديث عن تمثيل سياسي للشيعة، بل عن حماية دمائهم ووجودهم الفيزيائي نفسه.
-
اخيرا: من الحذر إلى الفعل
شيعة العراق اليوم أمام لحظة مفصلية:
-المحيط حاقد.
-العدو متربص.
-الطابور الخامس ينخر.
والمشاريع الإقليمية والدولية تتسابق لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 2003.
الردّ الوحيد الممكن ليس مزيدا من الانقسام ولا الغرق في التفاصيل الثانوية، بل بناء وعي جماعي يضع البقاء قبل المكاسب، والهوية قبل المناصب، والاستقلال قبل التسويات.
لأن الصراع لم يعد على حكم العراق فحسب، بل على حق الشيعة أن يكونوا أصحاب أرض وقرار في وطن هم


