عبير العطار نص الومضة والحكمة

عبير العطار نص الومضة والحكمة
الشعرالعربي بكل مراحله من وجودنا الريادي والحضاري ، يمثل فيه بجذوة الإحساس بالفخر والرثاء والوصف والأغراض الأخرى ،وقد تطورت الذائقة العربية السمعية والبصرية التي إعتادت إلى الاصغاء بإنبهار وإندهاش طوال قرون .....

الشعرالعربي بكل مراحله من وجودنا الريادي والحضاري ، يمثل فيه بجذوة  الإحساس  بالفخر والرثاء والوصف والأغراض الأخرى ،وقد تطورت الذائقة العربية السمعية والبصرية التي إعتادت إلى الاصغاء بإنبهار وإندهاش طوال قرون خلت، بالقصيدة العمودية المقفاة والموزونة، حسب بحور الشعر العربي وبرنين احرف الروي ، ومن الشعر الجاهلي إلى نص الومضة الشعرية.. مرورا ً بقصيدة التفعيلة، والنص النثري المركز ،بالومضة الشعرية ،إلى نص الهايكو.

قدم العراق الريادة بالشعر الحر من خلال السياب ونازك الملائكة ؛ثم النص التفاعلي بالقصيدة التفاعلية والريادة العراقية

من خلال الشاعر د.مشتاق عباس معن  نرى في ادبنا العربي المعاصر هناك أسماء تتلالا بمنجزها النثري المركز من المغرب  إلى الخليج  بالطبع هناك رؤيا لدى بعض النقاد ،إن الهروب للنثر لعدم القدرة على نظم القصيدة حسب بحورها ،لذا هرع معظم من تخلى عنها الى الفضاء التكنلوجي ليصبح عدد ممن يسمون أنفسهم بشعراء بعدد رمال الصحراء.

النص النثري له إشتراطاته بالموسيقى الداخلية ..والقدرة الصورية ..والفكرة الذهنية ؛فهو نص معنى  ويحمل التاويل من خلال دلالاته ،ومرموزاته ،وإزاحته…وقد تمكن من ذلك التص الذهني اسماء عراقية وعربية مهمة  من ادونيس ،الماغوط ،درويش وغيرهم الكثير ،تطالعنا إصداراتهم محليا ًوعربياً.

تغبطنا على الإمكانية الشعرية التي ينجزها بعضهم ،وقد تناولت كثير منهم في موسوعة الفنارات بأجزاءه  الثلاثة السابقة ؛وبين يدي- 3-إصدارات مهمة لشاعرة عربية سورية المولد،  كويتية الدراسة،  ومصرية إلاقامة “عبير العطار”.. من خلال منجزها المائز في (لحظات فارقة -الحب إنسان-رهان مرآتي).تم الإهداء الورقي في ٢٠١٥، ثم بزيارتي لمصر برفقة العلامة الدكتور الناقد هادي بحر كانت برفقتنا بزيارة معالم القاهرة وتزويدنا بديوانها سيلفي مع الروح، كذلك اللقاء ببيروت صدفة ً بأمسية شعرية بمنتدى ليل وحكي بحضور وفد من مصر ، وأخيراً الحصول على دوواينها الجديدة ألكترونياً.. وجدت لديها :

القدرة المبهرة على التكثيف، والدلالة، والمفارقة ،والحكمة، تميزها تلك الرؤى بحساسية مفرطة ،  بشعرية  متفوقة بنثرية مفعمة بالحب ،والإحساس الوجداني المترع بالتعبير الباذخ عن القلق ، وجذوة الروح،  والوجود الإنساني ؛حيث  تحلق بالمعنى بفضاءات جمالية تشدو للروح ، وتأملات البوح الشفيف..

إشراقات تلك النصوص المتوشحة بالحكمة ،وتجليات الصفاء الصوفي،تتمخض عن إنسيابية المشاعر المتدفقة كغدير  من نهر صاف ..

بالسرد -والشعر ،تمتح من لغتنا المدهشة لتسمو بأفق الخيال ،وكانها تنتج للمتلقي الحكمة التي

تعبر عن تجربة تخط العبرة بأناة .

في مقدمة ديوان “رهان مرآتي كتبت المبدعة المغربية بهيجة القاسمي((بوح عبير لقطات مكثفة ،توظف التعدد في الخطاب والافعال .وتمرح  في معاني اللغة دون رقيب.وتشهر عدسة لاقطة أمام تجليات الذات والكينونة والمصير ))

في حفلة ميلاد مؤجلة

ينكر ذاته

رغم ان ظلالها

تجر أقدامها على الارض القاحلة.

يعترف البوح

انه اختطف منذ زمن بعيد

هواجس الانوثة والتداعيات التفسية تتجلى بتلوينات تعبر عن جموح المجاز وإقتباس الدلالة وجمال الصورة بتداعيات شعرية

لم يعد الحب راغبا

في إجابة القلب

فلجأ إلى محكمة العدل الحسية

كم ارى التامل بالبوح الشعري الشهي في ديوانها الآخر -الحب انسان- فهناك عمق التامل بالحقيقة وفهم الروح وتجليات النور الوجدانية والصوفية فالشاعرة حائزة على جائزة التجويد والدراسات القرآنية بالكويت ،فالميول الصوفية والعشق الروحي تغوص في اليقين ،وتشابك الوجود بكل صيرورته وديناميكيته وصراع الإنسان فيه كل ذلك ينعكس ببوحها اللذيذ .حتى ان الناقد المغربي “محمد محقق”كتب في مقدمة هذا الديوان ((إن المتامل في هذا البوح الإنساني يستطيع ببساطة ان يعانق المدى ،ويتلمس بانامله دوحة تفيض اوراق محبتها لتعانق مقامات الاسرار معبرة عن العشق الانثوي وهي تختطف لحظات حنين منفلته من خلال صور شاعرية تستفز العين والقلب معا))

في هذا الديوان الحب انسان ..ارى قدرة الاختزال بدلالات الإنتماء إلى عوالم المراة بتصوير احاسيسها ومشاعرها وخلجاتها بين الشك واليقين.. والخوف والرجاء ..والأمل والفناء.. باسلوب نسج بلغة الحب حقق نجاحا ً بمستويات القراءة السيميائية وبدلالات توحي بدقة السبك لصور جمالية تعبر عن مكنونات الروح وخبايا الشعور بدقة متناهية..كما في حكم البوح بلحظات فارقة كانها وصفات لقاحية للروح من خلال تجربة إقترنت بالوعي أعدها خواطر محكمة مستمدة من مدى الفهم العميق لدور الإنسان المستخلف لبناء قيم الجمال في الوجود..فالشعر رسالة إنسانية تعبر عن الأحاسيس بصدق وجمال.

عمار إبراهيم عزت رؤى بين الحلم والخيال واليقين:

حلّق الشاعر “عمار إبراهيم عزت”  بنصوصه الشعرية عِبرَ مراحل تدوينيّة عبّرَ بها عن تحولات في نصه الشعريّ من نصوص التفعيلة ببواكير نشرها في ثمانينيات القرن الماضي إلى أفق جديد يحمل تصورات شعريّة نحو النص الشعري ّ المفتوح العابر للأشكال الشعرية: بين شعر التفعيلة كما في المجموعة المعنونة “بقايا وجه وظل” التي تضم قصائد تنتمي للفترة من 1987-1997 متحولا الى قصيدة النثر، والى الومضة والتوقيعات منتهياً بكتابة نص أفقي مفتوح كما في قصائد: “أقف أمامك”، و”لذا”، و”كتبت له”، و”قطعا” وغيرها المُحملة بحمولات فكريّة ووجوديّة تتضمن الرؤى العقلية والفلسفية والثقافية التي بثها بجسد النص.

يتمخض عن هذا الاشتغال عن بنيات نسقية تشتبك داخل النص الواحد الى حدود التضاد والتوافق والانسجام والمفارقة، دون الوقوع بين فكي التلغيز الشعري الذي ساد المرحلة الثمانينية والتسعينية بدوافع شتى كالتمويه، والهروب من الرقيب، الذي يُربك المعنى أو يجعل من التأويل والبحث عن المضمون ضربا من العبث، أو أن يحمل النص بما هو أعلى من طاقاته التعبيرية؛ لذا أجد أن النص لدى المبدع يبثُّ الفكرة محملة بشفرات ورسائل جماليّة ليس بالوضوح المُفرط ولا الغموض المُلغز، فالشعر لديه يؤدي وظيفة تركز على جماليات المعنى ..ورسالته رسالة روحيّة أخلاقيّة تمثل الهم الجمعي في إدانة القبح والاحتجاج على كل ما يسيء للأنسنة من هدر لكرامة  الانسان والوطن المُستباح بالحروب.

فيما تتضمن الرؤية الجمالية العميقة للعاطفة الصادقة، التي يسكبها بنصوصه بروح شفيفة، الهيام وصفاء الوجدان والبذل للحبيبة ..بين رؤى الخلاص من المأزق الإنساني والتحرر مما يقيِّد حرية الإنسان في مسعىً لكسر “التابوات” كما  في نص “موسم الهجرة الى الضياع” ، فقد فجر التناص مع قصة “يوسف” دلالة المخزون بالواعي الذي يتماهى مع موسيقى الروح بتقنية شعرية متحولة بين ثنايا الديوان، تنوعت فيه الرؤى بين أسئلة الوجود ، وبوح الروّح ، أو تلك النصوص التي تجسد الهم الوطنيّ كما في قصيدة “عراقي وأفتخر”:

عراقي وأفتخر

بالخرائبِ المعلقةِ ….

بالسّبْي من بابلَ الى كربلاء

بجلجامشَ باعَ سومريتَهُ على ارصفةِ الغربةِ

بأور نمّو قايضَ زقورتَهُ بكرفانٍ أمريكيٍّ

بحمورابي محا مسلّتَهُ وصوّتَ على دستورٍ عقيمٍ

بالعروبةِ بسحنةِ الباديةِ

بداحسَ والغبراءَ وحربِ البسوسِ

ببغدادَ هارونُها برمكيٌّ

بعراقةِ الوجعِ النابضِ بأنهارِ العراقِ

بالجفافِ الذي يعترينا.

تخلخل بنية التضاد الأنساق المعرفية والثقافية لدى المتلقي بغية الوصول الى إدانة القبح الذي خلفته السياسات الخاطئة والممارسات اللاأخلاقية بالضد من قيم الجمال برمزيتها العالية داخل المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *