المقدمة
يُعَدّ العراق، بما يمتلكه من موقع جيوسياسي حيوي وثروات طاقة هائلة، فضلاً عن فسيفسائه الاجتماعية وتعقيداته السياسية، أحد أكثر الدول عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية. ومنذ عام 2003، تفاقمت هشاشة مؤسساته الأمنية والسياسية، مما جعله ساحة مفتوحة أمام التدخلات الخارجية. وفي هذا السياق، برزت إسرائيل كفاعل خفي يتعامل مع العراق بمنهج غير تقليدي، يعتمد على الحرب بالوكالة والتخريب والاختراق السيبراني، بعيدًا عن التدخل العسكري المباشر. هذا النهج يهدف إلى إبقاء العراق في دائرة عدم الاستقرار، ومن ثم منع تحوله إلى قوة إقليمية مؤثرة.
الإستراتيجية الإسرائيلية: تدخل غير مباشر بتكلفة منخفضة
تدرك إسرائيل أن أي تدخل علني في العراق سيستفز ردود فعل واسعة، لذلك تفضّل الاعتماد على أدوات غير مباشرة ذات كلفة سياسية وعسكرية منخفضة. فبدلاً من الانخراط المباشر، تراهن على تفكك البنية الداخلية العراقية وضعف التنسيق الأمني والفساد الإداري، مستثمرة خبرتها التاريخية في العمل الاستخباري والعمليات السرية. هذه المقاربة تمنحها قدرة على إحداث تأثير عميق في المشهد العراقي مع تجنّب تحمل المسؤولية المباشرة.
استثمار التنوّع والاختراق الاجتماعي
يُشكّل التنوع القومي والمذهبي في العراق مدخلاً مناسبًا للتغلغل الإسرائيلي. فالتباينات بين العرب شيعةً وسنّة، والأكراد، والتركمان، وغيرهم، تجعل من العراق بيئة خصبة لسياسة “تحريك الهويات”. وتشير تقارير متعددة إلى محاولات إسرائيلية لإقامة صلات غير رسمية مع قوى محلية، خصوصًا في شمال البلاد، تراوحت بين الدعم اللوجستي والاستخباري وصولًا إلى التمويل والإعلام. والغاية هي إضعاف التماسك الوطني وإشغال بغداد بأزمات داخلية دائمة.
التخريب والعمليات السرية
سجل إسرائيل حافلاً بالعمليات التخريبية في المنطقة، والعراق لم يكن بمنأى عن ذلك. فقد شهدت الأعوام الماضية انفجارات في مخازن أسلحة، وحرائق في قواعد عسكرية، وهجمات بطائرات مسيّرة مجهولة، ورجّحت تحليلات أمنية وقوف إسرائيل خلفها. هذه العمليات، التي غالبًا ما تُدار عبر وسطاء أو أطراف ثالثة، تستهدف إضعاف القدرات الدفاعية العراقية وإرسال رسائل ردع غير معلنة لخصوم تل أبيب.
الحرب السيبرانية: جبهة صامتة
استثمرت إسرائيل بكثافة في تطوير قدراتها السيبرانية، ما جعلها من أبرز القوى في هذا المجال عالميًا. وفي العراق، تُعد البنية التحتية للطاقة والاتصالات والقطاع المصرفي أهدافًا مثالية للهجمات الإلكترونية. ورغم محدودية التغطية الإعلامية لمثل هذه الاعتداءات، فإن آثارها عميقة: شل الخدمات، تعطيل تصدير النفط، وتقويض ثقة المواطن بالدولة. وبهذا، تصبح الحرب الرقمية أحد أخطر أدوات إسرائيل لإبقاء العراق في حالة اهتزاز.
ارتباط محتمل بالجماعات الإرهابية
تتزايد المخاوف من إمكان وجود قنوات دعم غير مباشر بين إسرائيل وبعض الجماعات الإرهابية الناشطة في العراق، استنادًا إلى تجارب مشابهة في ساحات عديدة. حتى وإن لم تثبت دلائل قاطعة، فإن استمرار حالة الفوضى والإرهاب يخدم المصالح الإسرائيلية، لأنه يُبقي الدولة العراقية في موقع الدفاع المستنزف.
الأهداف الإستراتيجية لإسرائيل في العراق
يمكن تلخيص الغايات الإسرائيلية في العراق في أربعة محاور أساسية:
- احتواء النفوذ الإيراني عبر إضعاف الجسر الاستراتيجي الذي يربط طهران بعمقها الإقليمي.
- التحكم غير المباشر بالموارد النفطية من خلال خلق أزمات تؤثر في استقرار السوق العالمية.
- منع صعود بغداد كقوة عربية وازنة يمكن أن تعيد التوازن في المنطقة.
- تفتيت الجبهة العربية عبر إبقاء العراق في موقع الضعف والانشغال الداخلي.
التداعيات الأمنية على العراق
تُخلّف هذه السياسات انعكاسات خطيرة على الأمن الوطني العراقي، من أبرزها:
تعميق فجوة الثقة بين المواطن والدولة.
تغذية التوترات الطائفية والقومية بما يهدد بعودة النزاعات الأهلية.
إضعاف القرار السيادي العراقي نتيجة الارتهان المتزايد للخارج.
إضعاف منظومة الردع العسكري عبر الاستهداف المستمر للبنى التحتية الدفاعية.
استجابة بغداد: بين الطموح والقصور
رغم محاولات الحكومة العراقية تعزيز قدراتها السيبرانية والتنسيق الأمني مع دول الجوار، فإن الاستجابة ما تزال محدودة بفعل الانقسامات السياسية وضعف الأجهزة الاستخبارية. ويبقى الشرط الأساسي لنجاح أي إستراتيجية مواجهة هو تحقيق الوحدة الوطنية، إذ تمثل الانقسامات الداخلية الورقة الأكثر فاعلية التي تراهن عليها إسرائيل.
الخاتمة
إن التهديد الإسرائيلي في العراق لم يعد افتراضًا بل واقعًا ملموسًا، يتمظهر في الحرب بالوكالة، والتخريب، والهجمات السيبرانية، ومحاولات الاختراق المجتمعي. وإذا لم تُبادر الدولة العراقية إلى بناء إستراتيجية وطنية متكاملة تتضمن تعزيز الوحدة الداخلية، وتطوير القدرات الاستخبارية، ورفع مستوى الردع الرقمي والعسكري، فإن البلاد مهددة بالانزلاق مجددًا إلى أزمات بنيوية عميقة. إن إدراك حجم هذا التهديد والتعامل معه بعقلية أمن قومي شاملة لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية لحماية العراق وسيادته.


