لم يكن إعلان التيار الصدري مقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة خطوة عابرة أو ردّ فعل انفعالي، بل حلقة جديدة في سلسلة قراراته المفاجئة التي لطالما أربكت المشهد السياسي العراقي.
فمنذ 2003، تحرّك التيار الصدري بين المشاركة والانسحاب، بين التصعيد والتهدئة، حتى أصبح رقما سياسيا يصعب تجاوزه، وفي الوقت نفسه، يصعب توقّع قراراته.
هذا الانسحاب يفتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى داخل البيت الشيعي، ويثير أسئلة عن دوافعه الحقيقية، والخيارات التي قد يسلكها التيار في المرحلة المقبلة، بين إعادة التموضع بهدوء أو اللجوء إلى تحريك الشارع للضغط على بقية الأطراف.
• الثنائية تجاه الحشد الشعبي
رغم أن التيار الصدري يمتلك ألوية ضمن الحشد الشعبي (313، 314، 315)، إضافة إلى سرايا السلام، فإنه كثيرا ما يرفع شعارات تدعو لحصر السلاح بيد الدولة.
هذا التباين لا يمكن تفسيره بالشعارات وحدها، بل يعكس محاولة التيار التأكيد على خصوصيته داخل المشهد المسلح، والفصل بين “مقاومته” وبقية الفصائل.
فبينما يرى في سرايا السلام قوة وطنية منضبطة، يتعامل بحذر مع بعض الفصائل الأخرى، في إطار تنافس سياسي داخل بيئة شيعية لا تخلو من تعقيد.
•العلاقة المعقدة مع إيران
لا يمكن إنكار العلاقة التاريخية التي ربطت التيار بإيران، خصوصا في مراحل التأسيس بعد 2003.
إلا أن هذه العلاقة مرت بتحولات طبيعية، خصوصا بعد أحداث مفصلية مثل استشهاد الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، والتي كانت لها انعكاسات استراتيجية على كامل البيت الشيعي، بما فيه التيار الصدري.
ومرونة التيار السياسية تظهر من خلال:
– التمايز الخطابي أحيانا تحت عنوان “القرار العراقي المستقل”.
– الاستعداد للتفاهم الهادئ كلما تقاطعت المصالح.
ولم يسعى التيار لقطع العلاقة مع إيران ابدا، لكنه يحرص باستمرار على إعادة توزيع الأدوار داخل البيت الشيعي.
•انسحاب من الانتخابات… ومشاركة غير مباشرة
في كل مرة يتحدث فيها الصدر عن “الاعتزال السياسي”، يعقبه لاحقا دعم لقوائم بديلة.
وفي الانتخابات المقبلة، ورغم إعلانه المقاطعة، هناك تقديرات تفيد بمحاولة التيار دعم شخصيات مقربة من خطابه، لتكون واجهة جديدة لتمثيله بشكل غير مباشر.
هذا السلوك يعكس رغبة في البقاء مؤثرا من خارج الإطار الرسمي، دون أن يكون جزءا مباشرا من منظومة الحكم.
• الشعارات أم الأهداف الحقيقية؟
التيار عادة ما يرفع شعارات إصلاحية، لكنه كان مشاركا في حكومات ما بعد 2003، ما يجعل موقفه أقرب إلى إعادة التوازن داخل المشهد الشيعي، لا القطيعة الكاملة معه.
كلما شعر بأن نفوذه يتراجع، يلجأ إلى تصعيد أو مقاطعة، في إطار تنافس على قيادة البيت الشيعي أكثر مما هو رفض مطلق للنظام السياسي.
• نمط التفكير: الزخم ثم التراجع
من يتابع سلوك التيار منذ 2003، يلاحظ نمطا يتكرر:
1- تصعيد سياسي أو شعبي مفاجئ.
2- تحقيق مكاسب أو فرض أمر واقع.
3-انسحاب تحت عنوان المراجعة والتصحيح.
4- عودة غير مباشرة عبر قنوات خلفية أو شعبية.
هذا النمط يعكس أسلوب إدارة يعتمد على تحريك المشهد بشكل صادم، لا عبر التراكم البطيء داخل المؤسسات، وهو ما يميّز التيار عن بقية القوى الشيعية التقليدية.
-
السيناريوهات المقبلة
إذا وجد التيار نفسه خارج المعادلة بشكل كامل، فإن أحد السيناريوهات المحتملة هو العودة إلى تحريك الشارع بقوة، تحت عناوين سياسية أو إصلاحية.
وقد يشمل ذلك:
– الدعوة إلى إعادة النظر في شكل الحكومة أو البرلمان.
– تحركات احتجاجية واسعة للضغط على الطبقة السياسية.
– إعادة طرح مبادرات لتغيير قواعد اللعبة السياسية.
مثل هذه السيناريوهات، إن حصلت، ستعيد خلط الأوراق داخليا، وستفرض تحديات على بقية القوى، بما في ذلك ضرورة البحث عن توافقات جديدة.
• أخيرا: التيار بين العزلة وإعادة التموضع
يجد التيار الصدري نفسه اليوم أمام لحظة مفصلية فرضها قرار المقاطعة:
– فإمّا أن يستثمر هذا الانسحاب لإعادة ترتيب أوراقه بهدوء، عبر تحالفات غير مباشرة أو تفاهمات جديدة تحفظ له مكانته،
– وإمّا أن يختار الضغط الشعبي لإعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية، وهو مسار محفوف بالمخاطر على البيت الشيعي والدولة العراقية ككل.
وفي كلتا الحالتين، يظل التيار الصدري رقما أساسيا في المشهد، لا يمكن تجاوزه أو تجاهل تأثيره، لكنه في حاجة إلى حسم خياراته بين البقاء لاعبا من خلف الستار أو العودة إلى الواجهة بقوة قد تغيّر ملامح التوازنات التي استقرّت بعد انتخابات 2021.


