الأزمة البنيوية في ظل صراع الإرادات الإقليمية وسيناريوهات النجاة:
“لماذا فشل العراق؟” سؤال وجودي، يؤرق كل مواطن عراقي حين يقارن بلده بمهد الحضارات، ذلك البلد الذي كان من المفترض أن يكون نموذجا للعالم، لا للشرق الأوسط فحسب، العراق ليس فقيرا، ولا جاهلا، ولا منعزلا جغرافيا، لكنه يعاني من أزمة وجودية عميقة، فهو دولة بلا مواطن، ومواطن بلا دولة!
• بين مطرقة المؤامرة وسندان الازمة البنيوية:
وفي الوقت الذي يشهد فيه العراق تصاعدا مقلقا، في الحديث عن مؤامرات خارجية تهدف إلى زعزعة استقراره، لا يمكن تجاهل حقيقة أن هذا البلد يعاني من أزمة بنيوية عميقة، تضعف قدرته على الصمود أمام هذه الهجمات السياسية والاجتماعية، والمؤامرات التي تديرها دول إقليمية ودولية، وتتخذ من الانقسامات السياسية، الطائفية والمجتمعية، ذريعة لإعادة إنتاج صراعات وحروب أهلية، ليست سوى جزء من المعادلة المعقدة التي تواجهها الدولة العراقية.
•من نظام مصنع أمريكيا إلى جزء من محور المقاومة:
فالنظام السياسي التي رعته أمريكا بعد سقوط النظام السابق، ليكون نظام موال لها، تحول الى جزءا من محور مقاومة، لذا أصبح هدفا لتدخلات مستمرة، خاصة من دول الخليج وتركيا التي لا تخفي رفضها لحكم الشيعة في العراق.
وهذه القوى وبدفع امريكي واضح، استثمرت ولا تزال تنفق أموالا طائلة وتجند وسائل إعلامية كبرى، لزرع الفتنة وإذكاء الصراعات، في محاولة لإيصال العراق إلى مربع الانقسامات والتفكك.
•المؤامرة تنجح حين يكون الداخل هشا:
رغم وضوح هذه المؤامرات وانكشافها، تبقى الحقيقة المرة، أن هذه المؤامرات تنجح حين تجد بيئة خصبة تنمو فيها، وكان عمادها في العراق هو هشاشة النظام السياسي، الذي يعتمد على المحاصصة الطائفية، ويمتزج فيه الفساد المستشري مع ضعف المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، وبدون إصلاحات جذرية تعيد بناء الدولة ومؤسساتها، ستبقى كل جهود العراق معرضة للانهيار والتفجير في أي لحظة.
لذلك، لا يكفي أن ندين المؤامرة الخارجية، بل يجب أن نعترف بأن المعركة الحقيقية تبدأ من الداخل، عبر إصلاح النظام السياسي والاقتصادي، وخلق هوية وطنية جامعة تقضي على الانقسامات المزمنة، وإن وعي العراقيين بهذه المعادلة هو خط الدفاع الأول ضد أي محاولة لتدمير العراق من الداخل او الخارج لا فرق.
•الدولة الهشة.. بين الإقصاء والمحاصصة:
في قلب الأزمة العراقية تكمن دولة هشة، لم تبنى على أسس وطنية جامعة، بل على إقصاءات متراكمة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، نخب سياسية حاولت بناء دولة مركزية، لكنها أغفلت دمج مكونات الشعب كافة، فخلقت فراغا عميقا تم ملأه، أخيرا، بتقاسم سياسي طائفي، يعتمد على مكاسب حزبية وشخصية.
هذه الدولة التي لم تُمنح فرصة للنمو الطبيعي، سرعان ما تطورت إلى أداة صراع وتنافس داخلي، وتحولت الحكومات المتعاقبة إلى فضاء للمحاصصة بين أحزاب وقيادات متناحرة، لا مؤسسة حقيقية تعمل لخدمة المواطن، ولا حامية لوحدة الوطن.
• الفساد.. السرطان الخفي:
الفساد في العراق ليس ظاهرة عابرة، بل هو نظام متكامل يستنزف مقدرات البلد، ويفرغ الدولة من روحها، من صفقات وهمية تسلب أموال الشعب، إلى شبكات محسوبية تمتد عبر كل مفاصل السلطة، وأصبح الفساد هو الواقع المرير الذي يعيشه العراقيون يوميا.
وهو ليس مجرد سرقة، بل لعبة مصالح تقضي على أمل الإصلاح، وتحول الحلم الوطني إلى سراب بعيد، ووسط هذه الدوامة، لا يستطيع المواطن إلا أن يشعر بالخيبة والخذلان، وهو يرى مؤسسات دولته تضعف يوما بعد اخر.
-
الهويات المتفجرة.. حين يصبح الانتماء سلاحا:
بدلا من أن تكون الهويات جسرا للوحدة، تحولت إلى ألغام موقوتة تفرق المجتمع، الطائفية والقومية والعشائرية، التي كان يمكن لها ان تكون وسيلة للتماسك الاجتماعي، استغلت لتقسيم العراق وتفكيكه.
الدين والانتماء المذهبي والقومي، يستغل مخاوف الناس، ويخلق دولة داخل الدولة، ان الخطاب الطائفي والاثني، اصبح عقبة (كأداء) أمام أي إصلاح حقيقي، ووسط هذه الفوضى، أضحى القانون ضعيفا، والقبيلة وعشائرها “حكومة ظل” تحكم المناطق بلا رقيب ولا حسيب.
• الاقتصاد الريعي.. لعنة النفط:
النفط الذي يفترض أن يكون مصدر قوة العراق، أصبح سببا في ضعفه وهشاشته، لان اعتماد ميزانية الدولة على عوائد النفط وحدها جعلها تفقد حس المسؤولية تجاه مواطنيها، في تطوير القطاعات الأخرى، لرفع مستواهم المعيشي.
كل القطاعات الإنتاجية انهارت، والاقتصاد بات يستورد أبسط مقومات الحياة، في حين تتصاعد البطالة والفقر، خصوصا بين الشباب الذين يحلمون بمستقبل أفضل بعيداً عن السياسة والفساد.
•الحلول الممكنة.. بين الرغبة والواقع:
الإصلاحات السياسية والاقتصادية ليست خيارا، بل ضرورة وجودية، وبناء دولة المواطنة التي تقوم على الكفاءة والعدالة هو الطريق الوحيد للخروج من النفق، كما ان الغاء نظام تقاسم السلطة والمحاصصة، واستقلال القضاء، وإصلاح النظام الانتخابي، كلها خطوات لا مناص منها.
اما اقتصاديا، فلا بد من التنويع، وانهاء ثقافة الريع، عبر إحياء الزراعة والصناعة، وتشجيع الاستثمار الوطني والعالمي بشروط تحمي الوطن.
ومجتمعيا، المصالحة التاريخية ونزع فتيل الطائفية يبدئان من التعليم، ودعم مؤسسات الدولة، وإشراك الشباب في بناء مستقبلهم.
• سيناريوهات المستقبل.. بين الانحدار والنهضة:
المستقبل أمام العراق مفتوح على مصراعيه، لكنه محاط بشبكة معقدة من التحديات،
– فقد يستمر الانهيار، حيث تزداد الهيمنة الخارجية، ويتفكك البلد إلى كانتونات متناحرة.
– أو يسير بخطى بطيئة نحو إصلاحات تدريجية تقيه من السقوط الكامل، لكنها تبقيه ضعيفا هشا.
والسيناريو الأجمل هو النهضة الحقيقية، بثورة اصلاح سلمية من داخل العملية السياسية تطيح بالفساد، وتقود إلى بناء دولة وطنية قوية، مستندة إلى قيادة وطنية موحدة منتخبة، تحمي البلاد ارضا وشعبا.


