قراءة في الفوارق بين النهج الإيراني والأميركي تجاه لبنان في ضوء مفهوم العزة والندية
يمرّ لبنان منذ عقود بمرحلة من التداخل الحاد بين الإرادة الوطنية والتأثيرات الخارجية، حيث أصبح مسرحًا لصراعات النفوذ الإقليمي والدولي. وفي خضم هذه التحولات، تتجلى مواقف الدول الزائرة ومبعوثيها باعتبارها مؤشرات دقيقة على توازن القوى، وأحيانًا على وعي الشعوب بقيمتها الحقيقية أو غياب هذا الوعي.
الزيارة الأخيرة لعلي لاريجاني، الذي عاد إلى موقعه الرسمي كمبعوث إيراني رفيع، ومقابلتها بسلوك المبعوث الأميركي توم براك في قصر بعبدا، تقدمان نموذجين متناقضين تمامًا في أسلوب التعاطي مع لبنان، وتعكسان أبعادًا عميقة على صعيد الكرامة الوطنية والندية الدبلوماسية.
الدبلوماسية الإيرانية – لاريجاني نموذجًا
يمثّل علي لاريجاني نهجًا إيرانيًا ثابتًا في التعامل مع لبنان، يقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية:
- الاحترام المتبادل: حرص لاريجاني في تصريحاته وخطابه على مخاطبة لبنان كدولة ذات سيادة، لا كتابع سياسي.
- الندية الاستراتيجية: يعكس نهجًا يرى في لبنان شريكًا في مواجهة التحديات الإقليمية، وليس مجرد ساحة صراع.
- القيمة الرمزية للمقاومة: إذ ينظر إلى صمود لبنان كجزء من معادلة القوة في المنطقة، وهو ما يجعله أقرب إلى روح الآية الكريمة:
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
حيث يترجم التواضع مع الحلفاء إلى دعم سياسي واقتصادي وأمني ملموس.
الدبلوماسية الأميركية – موقف براك
على النقيض، جاء موقف المبعوث الأميركي توم براك خلال مؤتمره الصحفي في قصر بعبدا ليكشف عن نهج مغاير تمامًا.
وصف الفوضى الإعلامية بأنها “سلوك حيواني”، ما يعكس عقلية فوقية ترى لبنان في موقع أدنى.
الرسالة غير المعلنة كانت واضحة: لبنان بحاجة إلى واشنطن، وليس العكس.
هذه المقاربة تضعف من مبدأ الندية وتكشف عن محاولات فرض الرؤية الأميركية دون مراعاة السياقات الداخلية اللبنانية.
العزة والذل بين النص القرآني والواقع اللبناني
الآية الكريمة في سورة المائدة تقدم معيارًا سلوكيًا للأمم أكثر من كونها مجرد وصف لقوم بعينهم:
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
في ضوء هذا المبدأ:
إيران عبر لاريجاني تحاول إظهار التواضع والدعم تجاه الشعوب الحليفة، معتبرة أن أي مساس بسيادة لبنان هو مساس بمحور كامل.
الولايات المتحدة عبر براك تتعامل بمنطق الهيمنة والتفوق، ما يخلق فجوة بين خطابها وسلوكها العملي.
لبنان كدولة لم يستثمر بعد هذا الصراع لصالح تعزيز كرامته الوطنية، حيث ما زالت بعض النخب السياسية تتعامل بذهنيّة التبعية بدل الندية.
أزمة الوعي الوطني لدى البعض في لبنان
المعضلة الكبرى ليست فقط في مواقف المبعوثين الدوليين، بل في:
ضعف الوعي الوطني لدى بعض اللبنانيين، الذين لا يدركون قيمتهم الجيوسياسية الحقيقية.
غياب مفهوم الندية الدبلوماسية، ما جعل لبنان أكثر عرضة للضغوط، سواء من الولايات المتحدة أو غيرها.
الخلاصة
زيارة علي لاريجاني وتصريحاته، مقابل سلوك المبعوث الأميركي، تكشفان فارقًا عميقًا في فلسفة التعامل مع لبنان:
لاريجاني يعكس رؤية تعتبر لبنان شريكًا في معادلة إقليمية، مستحضرًا مفهوم التواضع بين الحلفاء.
براك يمثل خطابًا قائمًا على الفوقية والضغط السياسي.
لكن الأهم من ذلك، أن قيمة لبنان لا تُستعاد بمواقف خارجية وحدها، بل عبر إعادة بناء الوعي الوطني وإدراك اللبنانيين لمكانتهم الحقيقية في المعادلة الإقليمية والدولية، وهو ما ينسجم مع جوهر الآية الكريمة: “أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين” — أي أن العزة لا تُستورد، بل تُبنى من الداخل.


