الملخص
شهد العراق خلال العقدين الأخيرين إطلاق عدد متزايد من المشاريع التنموية المشتركة، ولا سيما في مجالات تمكين المرأة وتأهيل الشباب القيادي، تقودها قوى غربية على رأسها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى الرغم من الطابع المعلن لهذه المشاريع بوصفها أدوات لتعزيز التنمية الاجتماعية وبناء القدرات، إلا أن تحليل بنيتها الفكرية وممارساتها الميدانية يشير إلى توظيفها كآليات لإعادة هندسة الإدراك الأخلاقي والديني لدى فئة الشباب، بما ينعكس على توجهات العراق السياسية داخليًا وخارجيًا ضمن سياقات النفوذ الإقليمي والدولي.
تعتمد هذه الدراسة على تحليل ميداني نوعي، إلى جانب مراجعة أدبيات القوة الناعمة والحوار الديني المشترك، بهدف إبراز العلاقة بين التنمية، والهندسة الأخلاقية، والاستراتيجية الجيوسياسية، مع التركيز على موقع العراق كمنصة للتأثير غير المباشر في الصراع الإقليمي الإيراني–الأمريكي.
المقدمة
تُعد الأنشطة التنموية المشتركة في العراق جزءًا من منظومة أوسع لاستراتيجيات القوة الناعمة الغربية، تقوم على الدمج بين التنمية الاجتماعية والتوجيه السياسي غير المباشر. فبرامج مثل “الشباب القيادي” و“تمكين المرأة” لا تقتصر على كونها مبادرات تعليمية أو اجتماعية، بل تتجاوز ذلك لتؤدي دورًا في إعادة تشكيل الوعي الأخلاقي والديني لدى الأجيال الشابة، بما يساهم في إنتاج فاعلين اجتماعيين أكثر قابلية لتبني قيم وسياسات منسجمة مع المصالح الغربية.
يتزامن انتشار هذه البرامج مع تحولات إقليمية كبرى، أبرزها:
مسار إبراهيم: المتمثل في الاتفاقيات الإبراهيمية بوصفها إطارًا للتقارب الديني–السياسي بين إسرائيل وبعض الدول العربية.
مسار فرسان المعبد: الذي يعكس أشكال النفوذ الأوروبي–الروسي المرتبطة بإعادة توظيف القيم الدينية والتقليدية في المجال الجيوسياسي.
المسار التركي الصوفي: بوصفه جسرًا ثقافيًا وسياسيًا بين الشرق الأوسط وأوروبا، ويعكس موقع تركيا كحلقة وصل بين النفوذ الأمريكي–الإسرائيلي من جهة، والنفوذ الروسي–الأوروبي من جهة أخرى.
تنطلق هذه الدراسة من تساؤل محوري حول طبيعة تفاعل المشاريع التنموية مع الواقع العراقي، ومدى إسهامها في إعادة هندسة الإدراك الأخلاقي والديني، وتحديد موقع العراق كأداة نفوذ في التوازنات الإقليمية.
الإطار النظري
-
القوة الناعمة (Soft Power)
يعرّف جوزيف ناي القوة الناعمة بأنها القدرة على التأثير في سلوك الآخرين عبر الجذب والإقناع بدلًا من الإكراه. وتشمل أدواتها التعليم، والثقافة، والإعلام، والدين، وبرامج التنمية.
في الحالة العراقية، تُوظف مشاريع التنمية الاجتماعية بوصفها أدوات فاعلة للقوة الناعمة الغربية، تعمل على توجيه المجتمع نحو منظومة قيم عامة ومجردة، غالبًا ما تكون منفصلة عن المرجعيات الدينية والاجتماعية التقليدية.
- الهندسة الأخلاقية وإعادة تشكيل الوعي
تشير دراسات حديثة إلى أن برامج التنمية والحوار الديني المشترك تُستخدم كوسائل لإعادة صياغة المنظومات القيمية والأخلاقية للمجتمعات المستهدفة. ويكمن الهدف في إنتاج وعي أخلاقي “وظيفي” قابل للتوظيف في السياقات السياسية، سواء الداخلية أو الخارجية.
- الحوار الديني المشترك
يرتكز مفهوم الحوار الديني المشترك، ولا سيما ما يُعرف بالمشترك الإبراهيمي، على إبراز القيم الإنسانية العامة بين الأديان السماوية. غير أن توظيف هذا المفهوم في السياق العراقي يؤدي، في بعض الحالات، إلى تمييع الخصوصيات العقدية، وإعادة توجيه الحس الأخلاقي بما يخدم أجندات خارجية.
المشاريع التنموية المشتركة في العراق: تحليل ميداني
-
مشروع الشباب القيادي
شارك في هذا المشروع أكثر من 450 ألف شاب في إقليم كردستان. ويركز على التدريب في مجالات القيادة، والتمكين، والتسامح.
ملاحظات ميدانية:
مفهوم “القيادة” يُطرح بصورة فضفاضة وغير محددة أخلاقيًا.
التركيز على قيم عامة مجردة، دون ربطها بسلوك عملي أو مرجعية دينية واضحة.
تسجيل تراجع في الالتزام بالممارسات الدينية التقليدية لدى شريحة من المشاركين بعد انتهاء البرامج.
-
مشاريع تمكين المرأة
تسعى هذه المشاريع إلى تعزيز التعليم والتمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة، إلا أنها تعتمد منهجيات تعليمية مشابهة تقوم على ترسيخ منظومة قيم جديدة، بما يقلل من الاعتماد على العادات والتقاليد المحلية والموروث الاجتماعي.
-
النتائج الميدانية
انخفاض نسبي في الالتزام بالشعائر الدينية التقليدية بين الشباب المشاركين.
تزايد القبول بالقيم الإنسانية العامة على حساب المرجعيات العقدية الخاصة.
نشوء قاعدة اجتماعية أكثر قابلية للتوجيه السياسي الخارجي.
الهندسة الأخلاقية عبر المشترك الإبراهيمي
- إعادة تعريف الدين
يُعاد تقديم الدين من خلال التركيز على القيم المشتركة بين الأديان السماوية (اليهودية، المسيحية، والإسلام)، مع إغفال الخصوصيات العقدية والتشريعية لكل دين.
- تسييس المشترك
تُوظف هذه القيم لتبرير:
التطبيع السياسي مع إسرائيل.
تقبل التدخلات الخارجية.
تمرير تنازلات إقليمية تحت غطاء “القيم الإنسانية المشتركة”.
- النتيجة
إنتاج جيل أكثر استعدادًا لتقبّل المشاريع السياسية والعسكرية الغربية، مع تقليص مستوى المقاومة المجتمعية المحلية.
العراق كمنصة استراتيجية
لا يُنظر إلى العراق بوصفه ساحة للتنمية فقط، بل كمنصة استراتيجية للتأثير في إيران ومحيطها الإقليمي.
إذ تساهم مشاريع التنمية والهندسة الأخلاقية في جعل العراق:
أقل ارتباطًا بخطاب المقاومة الدينية والسياسية.
أكثر قابلية لتبني الأجندات الأمريكية–الإسرائيلية.
ويتمثل الهدف الاستراتيجي في استخدام العراق كأداة ضغط غير مباشرة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
مقارنة مع التجربة الإيرانية
مثّل مشروع “حوار الحضارات” الذي أطلقه الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي محاولة لتأطير الحوار الديني والثقافي ضمن سياق داخلي، مع الحفاظ على المرجعية الأخلاقية والدينية للشباب، بما يحد من قابلية التوظيف الخارجي.
الخلاصة
تخلص الدراسة إلى أن المشاريع التنموية المشتركة في العراق تتجاوز كونها برامج اجتماعية أو تعليمية، لتتحول إلى أدوات متقدمة لإعادة هندسة الإدراك الأخلاقي والديني لدى المجتمع، ولا سيما فئة الشباب.
إن التركيز على المشترك الإبراهيمي يسمح بإعادة توظيف الدين في المجال السياسي، ويزيد من قابلية المجتمع لتقبّل المشاريع الإقليمية والدولية، مما يعزز موقع العراق كمنصة للتأثير الاستراتيجي في الصراعات الإقليمية، وخاصة الصراع الإيراني–الأمريكي.
وعليه، تؤكد الدراسة على ضرورة إخضاع هذه المشاريع لرقابة نقدية وتقييم مستمر، للتمييز بين التنمية الحقيقية والأجندات الاستراتيجية المضمرة.


