التطبير وإيذاء النفس بين التاريخ والدين والسياسة: قراءة متأنية في ضوء دعوة السيد مقتدى الصدر

التطبير وإيذاء النفس بين التاريخ والدين والسياسة: قراءة متأنية في ضوء دعوة السيد مقتدى الصدر
يعدّ التطبير طقسًا مثيرًا للجدل في التراث الشيعي، تتباين حوله الآراء الدينية والأخلاقية والسياسية. تتناول تحليلات متوازنة أبعاده التاريخية، وتدعو لحوار هادئ يراعي وحدة المجتمع، مع التأكيد على حماية الشعائر من الاستغلال والفرقة والتسييس....

في التراث الشيعي، ظلّ الحديث عن طقس التطبير من أكثر المواضيع حساسية وإثارة للجدل، حتى إن بعض كبار مراجع الدين الذين تجرأوا على انتقاده أو الدعوة لمراجعته وُوجهوا بحملات من التشكيك أو الاتهام، وأحيانًا تم إخراجهم من دائرة القبول الجماهيري. لقد اكتسب هذا الطقس – بمرور الزمن – حصانة عاطفية واجتماعية تجعل الخوض فيه محفوفًا بالتأويلات وسوء الفهم، حتى لو جاء الطرح بدافع الحرص أو الاجتهاد الفقهي.

وإننا إذ نكتب هذا المقال، فإننا لا نقصد من ورائه لا الطعن في هذا الطقس ولا الدعوة إلى ممارسته أو منعه، بل نسعى إلى تقديم رؤية فكرية موضوعية، تحلل التطبير من زواياه المتعددة: التاريخية والدينية والأخلاقية والإنسانية والسياسية، مستندين إلى مبدأ أن الوعي بالممارسة لا يعني بالضرورة نفيها، كما أن تحليل الظاهرة لا يساوي رفضها. الهدف هو فتح نافذة للحوار الهادئ بعيدًا عن الاستقطاب، وعن استسهال الاتهام والتخوين.

سأتناول في هذا المقال خمسة أبعاد لهذه الدعوة باختصار ولعلي أعود لكتابة مقال آخر يتناول تفصيلات وأبعادا أخرى..

أولًا: الجذر التاريخي

عرفت المجتمعات البشرية عبر العصور طقوسًا متنوعة للتعبير عن الحزن أو التطهر أو التوبة، وصلت في بعضها إلى حدود إيذاء النفس أو تقديم الجسد كقربان رمزي. وشهد التاريخ الإسلامي هو الآخر أشكالًا متعددة للتفاعل مع المصائب الكبرى، وفي مقدمتها فاجعة كربلاء التي مثّلت جرحًا لا يُشفى في الوعي الشيعي.

لكن التطبير، بمعناه المتعارف عليه اليوم، لم يظهر فورًا بعد الواقعة، بل تطوّر عبر الزمن، وارتبط بسياقات اجتماعية وسياسية محددة، كما هو حال الكثير من الطقوس الدينية في العالم. ومع ذلك، فإنه – في نظر ممارسيه – يمثل تعبيرًا صادقًا عن الولاء والولع بالحسين، وعن الاستعداد لبذل الدم في سبيل القيم التي استشهد من أجلها.

ثانيًا: البعد الديني

فقهيًا، انقسم العلماء في الحكم على التطبير. فبعضهم أفتى بجوازه إذا لم يترتب عليه ضرر، واعتبره مظهرًا من مظاهر الحزن المندوب، بينما تحفظ آخرون عليه، إما خوفًا من الأذى أو من تشويه صورة المذهب.

وفي هذا السياق، فإن السيد مقتدى الصدر – الذي عُرف بدعواته المتوازنة للحفاظ على وحدة الأمة وكرامة الشعائر – لم يقدّم التطبير كفريضة، بل كخيار تعبيري مفتوح أمام من يجد فيه وسيلة وجدانية للتعبير عن حبه للحسين. وهذه الرؤية، وإن بدت جذرية للبعض، تنسجم مع فكر التيار الصدري في تأكيد الهوية الشعائرية وتعزيز قيم الاستعداد للتضحية.

ثالثًا: البعد الأخلاقي

تبقى مسألة إيذاء النفس في طقوس العزاء محط نقاش أخلاقي عميق. إذ يدعو كثيرون إلى أن تكون مظاهر الحزن منسجمة مع القيم الإنسانية العامة، ومع مبدأ الحفاظ على الجسد الذي جعله الله أمانة. لكن بالمقابل، فإن الأخلاق لا تُفهم فقط من زاوية فردية، بل من زاوية الجماعة والمعنى، أي كيف تعيش الطائفة شعورها بالانتماء والارتباط بقضيتها التاريخية.

وعليه، فإن ممارسة التطبير لدى البعض هي إعلان وفاء لا عنف، ورمز عشق لا كراهية، وتجديد عهد لا عبث. وما ينبغي الحرص عليه هو ضبط هذه الممارسة ضمن حدود السلامة، ومنع استغلالها إعلاميًا لتشويه صورة الشعائر أو الطعن بهوية المؤمنين.

رابعًا: البعد الإنساني

في عالم تتسارع فيه الصور وتُبتر فيه السياقات، قد لا تُفهم بعض الطقوس إلا كأعمال غرائبية أو ممارسات عنيفة، ولهذا يُصبح من المهم أن تُعرض هذه الشعائر في إطارها الثقافي والديني الصحيح، بعيدًا عن التهويل أو التبخيس.

إن رسالة الحسين إنسانية قبل أن تكون مذهبية، وإذا كان دمه قد سُفك من أجل العدالة، فإن التعبير عن الوفاء له يمكن أن يأخذ أشكالًا متعددة: منها التطبير، ومنها بناء الإنسان، وخدمة المحتاج، والدفاع عن المظلوم. والتنوع في وسائل التعبير هو رحمة، وليس خلافًا.

خامسًا: البعد السياسي

الدعوة الأخيرة التي أطلقها السيد مقتدى الصدر لتوسيع نطاق التطبير لا يمكن فصلها عن السياق السياسي العراقي الراهن. فهي تأتي في مرحلة يشهد فيها التيار الصدري محاولات إقصاء أو تهميش من بعض الأطراف السياسية، خصوصًا من داخل البيت الشيعي نفسه. ولهذا، فإن المشاركة الواسعة المتوقعة من جمهور التيار في الاستجابة لهذه الدعوة، ستمثل موقفًا جماهيريًا صلبًا يُرسل إشارات واضحة لخصومه، مفادها أن التيار ما زال حاضرًا بقوة في الشارع، وأن محاولات تهميشه قد تُقابل بإعادة التموضع الجماهيري في الساحات الدينية والسياسية معًا.

لكن في المقابل، فإن هذا الحراك الطقسي الكثيف – رغم انطلاقه من منطلقات دينية خالصة لدى أصحابه – قد يُفسّر طائفيًا من قبل بعض الأطراف السياسية أو المكونات المجتمعية الأخرى، لا سيما في ظل هشاشة المشهد الوطني وتفاقم الانقسامات. ولهذا فإن المطلوب، إلى جانب التعبير الحر عن الشعائر، هو الحفاظ على لغة خطاب وطنية جامعة تراعي التعدد وتمنع تحويل المناسبات الدينية إلى ساحة استقطاب سياسي أو مذهبي.

وأخيرا وليس آخرا التطبير ليس مجرد فعل جسدي، بل هو لغة تعبيرية مشبعة بالرمز والمعنى. البعض يراه ضرورة وجدانية، وآخرون يرونه فعلًا قابلًا للمراجعة. وبين هذا وذاك، لا بد من مساحة للحوار، بعيدًا عن الإدانة أو الفرض، وقريبًا من روح الحسين: أن يكون الإنسان حرًا، وفيًا، عاقلًا، وشجاعًا.

وإذا أردنا لعاشوراء أن تبقى حية في ضمير الأمة، فعلينا أن نحميها من الاستغلال، ونُصون شعائرها من التفكك، ونمنحها المعنى الذي يجعلها تنمو مع الزمن، لا تتقوقع فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *