المستخلص:
هناك علاقة وثيقة بين دور الدولة والمجتمع وأداء الاقتصاد من خلال بناء إرادة وطنية فاعلة، فعندما يكون دور الدولة في الاقتصاد مناسبا، ينعكس ذلك إيجابا على أدائه وبالتالي على افراد المجتمع داخل الدولة، بينما إن لم يكن كذلك، ينعكس سلبًا عليه؛ بمعنى آخر، يتأثر أداء الاقتصاد سلبا وإيجابا بدور الدولة في الاقتصاد، وفقا للنظام السياسي والبنية الاقتصادية والعامل الثقافي للمجتمع السائد في البلد.
المقدمــة:
يُعد الاقتصاد الوطني الركيزة الأساسية لبناء الدولة العراقية وتحقيق استقرارها السياسي والاجتماعي، ففي العراق، الذي يمتلك من الثروات الطبيعية والبشرية ما يؤهله ليكون من الدول المتقدمة اقتصاديا، تبرز “أهمية الإرادة الوطنية” كعامل حاسم في بناء الاقتصاد العراقي، من خلال توجيه الموارد وتفعيل الطاقات الشابة لبناء اقتصاد قوي ومستقل، فمع التحديات المتعددة التي واجهها العراق منذ عقود، أصبح من الضروري الاعتماد على إرادة وطنية حقيقية تتبنى مشروعا اقتصادياً نهضوياً، يستند إلى العدالة والكفاءة والسيادة.
أولاً: مفهوم الإرادة الوطنية
هي إجمالي القرارات والتوجهات والسياسات التي يعتمدها أبناء الوطن، حكومةً وشعباً، أي التوجه الجمعي والقرار السيادي للشعب ومؤسسات الدولة العراقية بروح من المسؤولية والانتماء، لتحديد مستقبلهم، نحو تحقيق تنمية اقتصادية شاملة ومستقلة، تعتمد على الإمكانات الذاتية، وتحقيق مصالحهم العليا بعيدا عن التبعية أو التأثيرات الخارجية؛ وتنعكس هذه الإرادة في السياسات العامة، والتشريعات، والقرارات الاستراتيجية، وفي المشاركة الشعبية الواسعة في عمليات البناء والتنمية والتي تهدف إلى تحقيق السيادة الاقتصادية وتقليل الاعتماد على الخارج ومن امثلة ممارسات الإرادة الوطنية الاقتصادية هي:
- تأسيس صناديق لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
- تشجيع الاستثمار وتطوير قوانين الاستثمار الوطني.
- تشجيع الإنتاج وإطلاق مبادرات لدعم المنتج المحلي.
ثانيا: دور الإرادة الوطنية في بناء الاقتصاد العراقي
تلعب الإرادة الوطنية دوراً محورياً في بناء الاقتصاد العراقي، من خلال توجيه الجهود نحو تحقيق التنمية المستدامة وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد على النفط وريعيته، وتتطلب هذه العملية تضافر جهود الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بالإضافة إلى وضع خطط تنموية شاملة وشفافة، ومن اهم الأهداف التي تلعبها الإرادة الوطنية هي:
- تنويع الاقتصاد العراقي: من خلال الاستثمار في قطاعات غير نفطية كالزراعة، والصناعة، والتجارة، والسياحة، وتكنولوجيا المعلومات وغيرها.
- دعم القطاعات الخاصة وتشجيع الاستثمار: توفير بيئة قانونية واستثمارية محفزة، وإزالة البيروقراطية، ومنح القروض الميسرة والاعفاء الضريبي خصوصا للقطاعات الإنتاجية، كما يجب العمل على تشريعات ضامنة، واستقرار سياسي وأمني، وتوفير ضمانات قانونية للمستثمرين.
- مكافحة الفساد: يعتبر الفساد عائقاً رئيسياً أمام أي نمو اقتصادي، اذ لابد من تبني إستراتيجية وطنية شاملة لمكافحته.
- تنمية الموارد البشرية: عبر اجراء إصلاح التعليم والتدريب المهني، وربط مخرجات التعليم باحتياجات السوق.
- الاعتماد على الإنتاج المحلي بعد تطوير القطاعات الانتاجية: يتم ذلك بعد دعم القطاعات الخاصة والعامة وتغطية الاستهلاك المحلي ثم العمل على تقليل الاستيراد، لدعم الصناعات الوطنية.
ثالثا: اهم التحديات التي تواجه تفعيل الإرادة الوطنية
هنالك بعض التحديات التي تواجه عملية التنمية الوطنية وتضع الصعوبات امام تفعيل الإرادة الوطنية وهي:
- الانقسامات السياسية والطائفية التي تؤثر على وحدة القرار الاقتصادي.
- التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن الداخلي.
- ضعف المؤسسات الرقابية والتشريعية.
- غياب الخطط الاقتصادية طويلة الأمد.
رابعا: اهم الخطوات في اعتماد سياسة الإرادة الوطنية
إن بناء الاقتصاد العراقي يحتاج إلى إرادة وطنية قوية وموحدة، تتجاوز الخلافات السياسية، وتعتمد على التخطيط الاستراتيجي والاستثمار في الإنسان وكذلك الموارد الطبيعية، فبدون هذه الإرادة، سيبقى الاقتصاد العراقي رهينة للتقلبات الخارجية والأزمات الداخلية، وهذه بعض الخطوات والمبادئ الأساسية التي يمكن أن تشكل إطارا لتحقيق ذلك:
- التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد: وضع رؤية واضحة ومستقبلية لبناء الاقتصادي العراقي، ويجب أن يشمل هذا التخطيط ما يلي:
- تحديد اهم الأولويات: أي التركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية مثل التكنولوجيا، الطاقة المتجددة، والزراعة الحديثة.
- التنويع الاقتصادي وترك الريعية: الابتعاد عن الاعتماد على مصدر دخل واحد مثل النفط وإدخال قطاعات أخرى مثل الزراعة الصناعة التكرير وتصنيع المنتجات المكررة وغيرها لغرض تقليل المخاطر وزيادة المرونة.
- تطوير المواهب او رأس المال البشري: ان الإرادة الوطنية يجب أن تتجسد في:
- التعليم والتدريب: الاستثمار في برامج تعليمية عالية الجودة تتناسب مع احتياجات سوق العمل، وتوفير التدريب المهني المستمر.
- تحفيز الابتكار: دعم البحث العلمي وتشجيع رواد الأعمال والشركات الناشئة لضمان استمرارية النمو والتطور.
- بيئة الأعمال الجاذبة: لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، يجب أن تكون البيئة الاقتصادية مواتية، وهذا الامر يتطلب:
- محاربة الفساد: تطبيق قوانين صارمة لمكافحة الفساد والشفافية في جميع المعاملات الحكومية.
- تبسيط الإجراءات: تقليل الروتين البيروقراطي وتسهيل عملية تأسيس الشركات وممارسة الأعمال.
- الاستقرار التشريعي: ضمان وجود قوانين وتشريعات واضحة ومستقرة تحمي حقوق المستثمرين وتضمن العدالة.
- البنية التحتية المتطورة: يعد الاستثمار في البنية التحتية من أهم محركات النمو الاقتصادي، والإرادة الوطنية هنا تعني:
- دعم شبكات النقل: بناء وتطوير شبكات طرق وموانئ ومطارات حديثة لتسهيل حركة البضائع والأفراد.
- الطاقة والاتصالات: توفير مصادر طاقة موثوقة وشبكات اتصالات عالية السرعة لدعم الصناعات والخدمات المختلفة.
خامسا: آليات تفعيل الإرادة الوطنية متينة
إن بناء اقتصاد عراقي متين ومستدام لا يمكن أن يتحقق إلا بتوافر إرادة وطنية واضحة تتجاوز المصالح الفئوية والآنية، وتسعى لخدمة الشعب، تلك الإرادة يجب أن تكون مدفوعة بحس وطني عالٍ، ورؤية اقتصادية واضحة، وتعاون جماعي من جميع مكونات المجتمع العراقي، فبدون هذه الإرادة، ستبقى ثروات العراق حبيسة الفساد والضياع، وستبقى التنمية حلماً مؤجلاً، ومن اهم هذه الاليات هي:
- إعداد رؤية وطنية شاملة بمشاركة جميع القوى السياسية والمجتمعية لغرض الوصول الى نتائج فاعلة.
- بناء مؤسسات اقتصادية قوية واضحة الشفافية.
- تفعيل دور الإعلام في التوعية بأهمية الإنتاج والتنمية والتطوير الاقتصادي للبلد.
- تفعيل الرقابة الشعبية ومحاسبة الفاسدين.
- تحديث القوانين لتواكب متطلبات الاقتصاد الحديث.


