عودة صعود الدولار شبح التصفية يلاحق المصارف والمواطن يدفع الثمن

عودة صعود الدولار شبح التصفية يلاحق المصارف والمواطن يدفع الثمن
أزمة الدولار في العراق تكشف هشاشة الاقتصاد واعتماده على البنوك المراسلة، إذ تتحول المنصة الإلكترونية إلى عائق، والمصارف الخاصة تواجه شبح التصفية، فيما المواطن يتحمل الغلاء وتضارب التصريحات، لتبقى أزمة الثقة أعمق من مجرد فرق سعر....

بين قبضة القانون وإغراء الربح السريع الدولار يختبر صبر العراقيين مجدداً، في كل أزمة دولار جديدة، يجد العراقي نفسه أمام مشهد متكرر: تصريحات رسمية مطمئنة، أرقام متضاربة، وواقع يومي يقول شيئاً آخر. المستشار المالي لرئيس الوزراء يحمّل “المضاربين والتجار العابرين للحدود” مسؤولية صعود السعر، فيما يؤكد رئيس الوزراء أن الاستيراد الفعلي لا يتجاوز (35 مليون دولار يومياً) مقابل مبيعات للبنك المركزي تفوق (250 مليون دولار يومياً). وهنا يبرز السؤال: إذا كانت الحاجة محدودة، فأين تذهب مئات الملايين الأخرى؟

المنصة الإلكترونية.. دواء تحوّل إلى عائق

المنصة الإلكترونية للتحويلات الخارجية صُممت أصلاً لوقف التهريب وضبط الاستيرادات، لكنها تحولت سريعاً إلى قيد خانق على التجار. البنوك المراسلة الأجنبية، وخاصة الأميركية منها، ترفض أو تؤجل الكثير من التحويلات بحجة التدقيق والامتثال. النتيجة: تعطيل التجارة الشرعية ودفع التجار إلى السوق الموازي، حيث الدولار متوفر بسرعة، لكن بسعر أعلى.

البنوك المراسلة.. اللاعب الخفي

لم يعد الدولار في العراق يخضع فقط لإرادة البنك المركزي، بل بات رهينة للبنوك المراسلة في الخارج. هذه البنوك تتحكم عملياً بقبول أو رفض التحويلات، ما يجعل العراق في موقع هش. قرار تأخير أو رفض تحويل واحد قد يشلّ استيراداً كاملاً. وهنا يظهر التناقض: الحكومة تضخ 250 مليون دولار يومياً، لكن نصفها يبقى عالقاً في دهاليز المراسلة.

المصارف العراقية وشبح التصفية

المصارف العراقية الخاصة، التي كانت تعيش لسنوات على نافذة بيع العملة، تواجه اليوم أزمة وجودية. بعض المصارف مهددة بالتصفية بعد أن أُدرجت على قوائم الحظر أو فقدت ثقة المراسلين الدوليين. هذا المشهد يهدد بتركيز السوق بيد قلة قليلة من المصارف “المحظوظة”، بينما يُترك الباقي لمصير مجهول. المواطن بدوره لا يرى سوى النتيجة: ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وانخفاض قدرته الشرائية.

المواطن في حلقة مفرغة

الحديث عن “مضاربين” و”تجار عابرين للحدود” لا يعني الكثير لعائلة عراقية تبحث عن سعر أرخص لكيلو الطماطم أو كيس الرز. أي قفزة في سعر الدولار تعني فوراً ارتفاعاً في أسعار السوق، والراتب يبقى ثابتاً. وكأن المواطن أصبح الممول الرسمي لمضاربات الدولار عبر قوته اليومي.

أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة سعر

ما يحدث ليس مجرد فرق بين السعر الرسمي والسعر الموازي، بل أزمة ثقة. عندما يقول المسؤول إن الحاجة 35 مليون دولار بينما يضخ البنك 250 مليوناً، يضيع المواطن بين التصريح والتلميح. وحين يُعجز النظام المصرفي عن تحويل الأموال بشكل طبيعي، تتحول السوق إلى ساحة مفتوحة للمضاربين، بينما الحكومة تكتفي بالرقابة الشكلية.

عودة صعود الدولار ليست مفاجئة بقدر ما هي انعكاس لاقتصاد هش قائم على الاستيراد ومربوط بالخارج عبر البنوك المراسلة. المنصة الإلكترونية تحولت من أداة ضبط إلى عائق، المصارف العراقية تعيش تحت شبح التصفية، والبنك المركزي يضخ أرقاماً ضخمة بلا أثر ملموس. وبين القانون الذي يبطئ والمعاملة الموازية التي تغري، يبقى المواطن الخاسر الوحيد في مسرحية الدولار.

عزيزي المواطن، لا تتعب نفسك في متابعة تصريحات المسؤولين:

  • واحد يقول المضاربون السبب،
  • والثاني يقول الاستيراد 35 مليون فقط،
  • والبنك المركزي يصر على ضخ 250 مليون يومياً وكأننا نستورد كوكباً كاملاً!

أما المصارف فبعضها ينتظر “رحمة المراسل الأميركي”، والبعض الآخر يستعد لإغلاق أبوابه تحت شعار “شبح التصفية”. وفي النهاية، لا المضارب ولا التاجر ولا المصرف يدفع الثمن… الثمن يخرج من جيبك أنت، كلما اشتريت كيس طحين أو علبة زيت.

فالدولار في العراق يعيش حياة مدللة: يسرح ويمرح بين المنصة والسوق الموازي، أما المواطن فمقيّد بين الغلاء والتبريرات الرسمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *