ترامب والإنكفاء الأمريكي

ترامب والإنكفاء الأمريكي
يناقش الطرح مسار تراجع الهيمنة الأمريكية من خلال أعباء النظام الأحادي وسياسات الانكفاء الخارجي، ويربط بين تحولات ما بعد العراق وسياسات "أمريكا أولاً" واحتمالات انتقال النظام الدولي نحو تعددية قطبية متزايدة...

أحد أهم أسباب احتلال العراق في 2003، كان أنه يمثل محطة تنفيذية في ترسيخ النظام الدولي أحادي القطب الذي صيغ في “مشروع القرن الأمريكي الجديد” (Project for the New American Century-PNAC) الذي يُعد واحداً من أبرز مراكز التفكير  (Think Tanks)وأكثرها تأثيراً في صياغة توجهات السياسة الخارجية الأمريكية أثناء إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش الإبن. وهو المشروع الذي تأسس عام 1997 على أيدي شخصيات محافظة بارزة مثل ويليام كريستول وروبرت كاجان، وضم في عضويته نخبة من مهندسي غزو العراق لاحقاً، من أمثال ديك تشيني، ودونالد رامسفيلد، وبول وولفويتز، وليبر سكوتر.

وتمحور المشروع حول عقيدة استراتيجية واضحة، تهدف إلى تكريس الهيمنة العالمية المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية، ومنع ظهور أية قوة منافسة لها على الساحة الدولية، وإعادة تشكيل النظام العالمي بما يخدم المصالح الاستراتيجية والأمنية الأمريكية وتكريس نظام الإحادية القطبية، بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي.

وتخلل بروز الولايات المتحدة كقوة منفردة تناقضات بدا أنّها لم تؤخذ بنظر الاعتبار من قبل بعض المفكرين والمحللين السياسيين، وأنهم سلّموا بأمر التعامل مع هذا الحدث كواقع لا يمكن تصور إمكانية تغيره، أو حدوث ما يعجل انهياره، متناسين الكثير من الحقائق التي تشير إلى أن نظام القطب الواحد هو أكثر الأنظمة عرضة للإنهيار والتغيير بسبب اضطراره للدفاع عن موقعه هذا ضد كل الأطراف الأخرى، وعلى كل الجبهات السياسية والاقتصادية والعسكرية. كما أنّ ثمة متطلب رئيس ينبغي توفره لأية دولة تسعى إلى بسط نفوذها على العالم لتحقيق هدف الهيمنة على النظام الدولي، هو ضرورة أن تمتلك قدرات اقتصادية تفي بمتطلبات هذا الهدف. لأن كل زيادة في النفوذ تتطلب زيادة في النفقات تتناسب طردياً مع سعة ونطاق هذا النفوذ، وعلى هذا الأساس ولأنها تمتلك قدرات اقتصادية أكثر من غيرها من الدول الكبرى، سارعت الولايات المتحدة إلى ملء الفراغ الذي خلفه الاتحاد السوفيتي، ما يعني تحملها المزيد من الإنفاق، وبدأت تضيف إلى التزاماتها القديمة التزامات وأعباء مالية جديدة، وهكذا فهي تحتاج إلى مزيد من النفقات الخارجية التي أثقلت بمرور الوقت كاهل الميزانية الأمريكية. كما أنّ إدامة هذه الإلتزامات احتاج ويحتاج إلى مزيد من الإنفاق، بالإضافة إلى ما يمكن أن تضيفه حكومة الولايات المتحدة من التزمات سياسية واقتصادية وعسكرية جديدة. ما تطلّب بدوره المزيد من الانفاق، وهنا بالظبط تكمن نهايتها كقوة منفردة في العالم، لا سيما وأن سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سواء في رئاسته الأولى أو الحالية، تقضي بتخلي الولايات المتحدة عن التزاماتها في تمويل المنظمات الدولية والوكالات الخارجية، ما مثّل تحولاً جذرياً في العقيدة الدبلوماسية الأمريكية، حيث انتقلت من سياسة تكريس القطبية الأممية الأحادية إلى سياسة “أمريكا أولاً”(America First)  القائمة على تقليص النفقات ومراجعة جدوى هذه المنظمات بناءً على المصالح المباشرة للولايات المتحدة، ما يعني تقلص أدوات بسط النفوذ التي كانت توفرها عضويتها وإسهاماتها في هذه المنظمات والوكالات.

خلال فترة رئاسته الأولى (2017-2021)، اتخذت إدارة ترامب قرارات حاسمة بقطع أو تعليق التمويل عن عدد من أهم المنظمات والوكالات الدولية، فضلاً عن إعادة توجيه التمويل الخاص ببعض الوكالات الأمريكية المعنية بالمساعدات والتنمية. ومنها منظمة الصحة العالمية (WHO)  في ذروة أزمة جائحة كورونا في عام 2020، ثم بدأت إدارته اتخاذ الإجراءات الرسمية لانسحاب الولايات المتحدة الكامل من المنظمة، واتخذت إدارة ترامب كذلك قراراً بوقف التمويل الأمريكي بالكامل عن وكالة الأونروا، الذي كان يبلغ نحو 300 مليون دولار سنوياً، ما أحدث أزمة مالية خانقة للوكالة وللاجئين الفلسطينيين.

وقطعت إدارة ترامب التمويل الأمريكي المخصص لصندوق الأمم المتحدة للسكان بحجة أن برامج المنظمة تدعم أو تُسهّل عمليات الإجهاض وتحديد النسل قسرياً في الدول النامية.

وفي عام 2018، قررت إدارة ترامب الانسحاب رسمياً من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (UNHRC) ووقف التمويل المرتبط بأنشطته، متهمة المجلس بالنفاق والانحياز ضد إسرائيل، والفشل في إصلاح هيكله التنظيمي وضم دول ذات سجلات حقوقية سيئة لعضويته.

كما قرر ترامب الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ في عام 2017 ووقف أية مساهمات مالية أمريكية لصناديق المناخ التابعة للأمم المتحدة والمخصصة لمساعدة الدول النامية في مكافحة التغير المناخي (مثل صندوق المناخ الأخضر)، بدعوى أن الاتفاقية تفرض أعباء اقتصادية غير عادلة على العمال والصناعات الأمريكية.

ثم قرر ترامب وقف أو تقليص تمويل أهم مؤسسات التمويل الخارجي الأمريكية (الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية  (USAID)التي كانت أداة الإدارات الأمريكية المختلفة لتقديم المساعدات الخارجية ومشاريع الدبلوماسية الناعمة، معتبرة أن هذه الأموال يجب أن تُوجَّه حصرياً للداخل الأمريكي أو للدول الحليفة بشروط صارمة للغاية، وكانت للولايات المتحدة تأثير كبير في دور وقرارات كل المنظمات أعلاه، وكذلك في التأثير على سياسات الدول التي كانت تقدم لها مساعدات عن طريق (الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية  (USAID).

وفي دورة رئاسته الثانية، أكملت الولايات المتحدة قائمة انسحاباتها من المنظمات والإتفاقات الدولية لما يصل إلى ستة وستين منظمة واتفاقية، بما في ذلك واحد وثلاثين كياناً تابعاً للأمم المتحدة، مثل اتفاقية المناخ الإطارية UNCCC، وغيرها كثير.

ما يعني انحسار وتراجع قدرة الولايات المتحدة على إدامة نفوذها الذي كانت تمارسه من خلال تلك المنظمات، وبالتالي تراجع موقعها كقطب دولي وحيد، لاسيما مع رئيس ينتهج ومؤمن بنهج وشعار “أمريكا أولاً” الذي يحمل بذاته مفهوم تراجع دور الولايات المتحدة وانكفائها إلى ما يتعلق بشؤونها الخاصة.

والأمر الآخر الذي سيعجل بإنهاء وتراجع النفوذ الأمريكي، ونظام الأحادية القطبية، هو قرار ترامب شن الحرب على إيران بالتحالف مع أكثر رئيس وزراء إسرائيلي منبوذ عالمياً نتنياهو. وأنا لا أتحدث هنا عن إمكانية انتصار إيران عسكرياً على الولايات المتحدة، بل عن أنّ قرار الحرب اتخذ دون إعداد ودون تخطيط، ودون أخذ رأي حلفاء الولايات المتحدة فيها، الأمر الذي أسهم في انفراط عقد التحالف الغربي الذي كانت الولايات المتحدة الأمريكية زعيمته، وهو الذي دفع حلفاءها الغربيين إلى التعاطي مع طلبه من الحلفاء المشاركة معه في الحرب على إيران بالرفض، لا سيما وأنه سبق وأن أعلن فرض ضرائب على المنتجات الأوربية، وهدد بضم جزيرة غرينلاند، وغيرها من السياسات التي جعلته يبدو وكأنه بات يشكل عبئاً على حلفائه دفعتهم إلى اتخاذ موقف “دعوا الرجل يغرق” في حربه مع إيران.

لذلك فإن الولايات المتحدة فقدت خلال إدارتي ترامب، وبسبب سياساته، وسائل التأثير الاقتصادية التي كانت تستخدمها لبسط نفوذها، وفقدت بسبب تبنيه لنهج “أمريكا أولاً” أقرب حلفاءها الغربيين، وفقدت بسبب عدم قدرته على حسم الحرب مع إيران لصالحه، هيبة الولايات المتحدة كقوة عظمى عجزت عن إخضاع دولة متوسطة الحجم مثل إيران، وفقدت بسبب تصريحات ترامب أقرب الحلفاء لها، ولذلك فهي في الطريق إلى الإنكفاء عن دورها كقطب دولي وحيد، وأنّ نظام الإحادية القطبية في طريقه إلى الإنهيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *