أتعجب لأناس حزنوا بل ذرفوا الدموع لأستقالة محافظ واسط ،وراحوا يتسابقون بنشر صور له ،وكأنه بطل قومي ،وتناسوا جثثا تفحمت ،وارواحا أزهقت ،وعوائل محيت ،وذكريات دثرت .
نسوا كيف إحتضنت أم وليدها ،ومات حتى لا تمسه النار، نسوا كيف من كان في الحريق يتوسل الله ،والناس للنجاة من ألسنة اللهب ،نسوا صرخات الأطفال ،وهم يودعون الحياة .
ما أسرع أن ننسى لأجل مسؤول تنعم بأموالنا ،وحصد جاها ومكانة !!!
استغرب جدا لمن نشر صورة المحافظ ،وراح يصفه بشتى الصفات البطولية ،وما علموا أن القيادة فن ،وأن أول ما يتحلى به القائد الشجاعة ،وتباكوا عليه ،ولم يهزهم تفحم أكثر من 70 إنسانا بلا ذنب ،ولا جريرة سوى أنهم وثقوا به ،وبقيادته التي إكتفت بمراقبة الحدث ،وكأنه فلم سيمائي يتفرج عليه لا يهمه ،ولا يعنيه من الأمر شيئا .
أعدت المقطع الذي يظهر فيه المحافظ ،وهو ينظر إلى الحريق عشرات المرات ،فما وجدت فيه إلا رجلا فاشلا لا يستحق القيادة، ورجلا لا يستحق أن يكون على رأس السلطة، وجدته مستخفا بأرواح الناس ،وبالحريق ،وكأنه كان واثقا أن الجميع سينجو بسهولة ،ولم يتحرك إلى موقع الحدث، ولم يتحرك بالسرعة المطلوبة ليتدارك الموقف ،ويحشد جميع طاقاته ،وإمكانيته للسيطرة على حريق.
ربما لو فعل ذلك ،وانقذ الجميع لما كان بحاجة إلى جيوش إلكترونية لتلميع صورته المحترقة .
بحثت كثيرا عما يدفع انسان بسيط ليدافع عن قائد ارتكب جرم لا يغتفر، فوجدت أن كثيرا من السذج يعاني من عقد شتى نفس هذه العقول هي التي تترحم على كل من يصل إلى الحكم ،وترى فيه القائد الأوحد ،والزعيم الذي لم تلد النساء مثله ،وربما هم أنفسهم من تباكوا على نظام حكمنا ٣٥ عاما ،وأذاقنا الويلات ،وأدخلنا بدل حريق الكوت مئات الآلاف من الحرائق ،والكوارث، والحروب ،والقرارات الغير المدروسة ،والقرارات العبثية .
إنها عقد نفسية متوارثة ،فنحن نؤله القادة حتى لا نستطيع أن نعتقد أنهم من بني البشر، فهم أولياء الله الذين لا يخطئون أبدا ،فهم منزهون ،منزلون من السماء .
القائد يجب أن تتوفر فيه كثير من الشروط ،وأهمها أن يتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب .
لذلك حثنا ديننا الحنيف على نؤمر أحدنا أن نكون أثنين، أو ثلاثة ليكون أمرنا بيده ،وهذه الآلاف اختارت المحافظ ،فهل كان أهلا القيادة ،وهل كان على قدر المسؤولية ؟!
هل بنيت العمارة دون علم المحافظ ،ودون موافقته ،وموافقة جميع رؤساء الأجهزة الذين أختارهم هو، وأعضاء مجلس المحافظة.
ألم يوقع على أوراق البناية ،ولم يكن يعلم بموعد افتتاحها؟!
أنه الفساد ،فبعض الآلاف من الدولارات كفيلة بأن يجعله يوقع، وكل الفاسدين على بناية تفتقد ابسط وسائل الحماية ،والأمان ،وهكذا معظم بنايات البلد ،والأمر لا يقتصر على محافظ واسط ،بل يشمل جميع المحافظات لأنه لا هم للمسؤول سوى جني الأموال بأي طريقة ممكنة .
الذين دافعوا عن المحافظ يختلفون عن باقي البشر ،فكثيرا ما تقع الضحية في عشق الجلاد ،فيرى به المنقذ، والزعيم الأوحد، وهذه صفة من صفات الشرق الغارق في الجهل ،والتخلف ،ويمتلك ذاكرة السمكة ،ولا ينظر للأمور إلا من زاوية واحدة ،وهو عاطفي متقلب تؤثر فيه أبسط الكلمات ،ولذلك لعبت الجيوش الإلكترونيه لعبتها ،ونجحت نجاحا ساحقا في تلميع صورة المحافظ الذي كان يتفرج على المأساة عن بعد بينما يتحتم على القائد أن يكون وسط المعركة معركة الحريق ،وإنقاذ الأرواح ،ولم يستعمل صلاحياته المطلقة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه ،وكانت أوامره ،وتسريباته الصوتية هي دليل أدانته ،بينما كانت النيران تحصد االأرواح كان يكتفي ،ويطلب من البعض عدم تهويل ما سيحصل، ولا يجد حلولا مناسبة لإيقاف الحريق الذي سيحيل أناسا أبرياء إلى جثث هامدة متفحمة .
إن الاستقالة ليست هي الحل
إن الاستقالة ليست هي الحل ،فكما يحاكم القائد الذي يفر من المعركة ،والذين يخون جيشه ،و من وضعوا ثقتهم به ،يجب أن يقدم المحافظ للمحاكمة هو كل اعضاء المحافظة بعد أن يستقيلوا جميعا لأنهم مؤتمنون على أرواح الناس ،وانزال القصاص العادل بكل من يثبت تورطه بأي شكل من الأشكال في هذه الجريمة المروعة .
في البلدان الحية ،والواعية تسقط حكومات لموت حيوان بريء، فماذا عن شعب يموت فيه الناس بمختلف أنواع الحوادث غرقا ،أو حرقا ،ولن يتحرك الرأي العام ،ولن يضغط على السلطة القضائية في محاكمة المسؤولين سابقا ،ولاحقا ،فحرائق المستشفيات ليست بعيدة عنا ،وكذلك حرائق قاعات الاعراس، وكل المشاريع التي تعود ملكيتها للبعض المسؤولين في الطبقة السياسية الفاشلة ،والفاسدة .
الشعوب الحية لن تتنازل عن حقوقها ،ولن تسامح المسؤول الذي أثرى على حساب الشعب ،وتمتع بامتيازات لا يحلم أي انسان في هذا الكوكب لكي يفلت من العقاب .
سوف تشكل لجان، وتلعب القوى السياسية لعبتها ،ويتم تقديم صغار الموظفين ككبش فداء لكبار المسؤولين في المحافظة .
هل تكفي استقالة المحافظ من منصبه ،وتعيد أرواح من راحوا جراء فساد في بناء المجمعات التي يرتادها الناس هربا من حر الصيف إلى أماكن يعتقدون إنها آمنة ،فإذا بلهيب الحرائق تلتهمهم ؟!
من المؤكد لا تكفي استقالة المحافظ بل لابد من انزال أقصى العقوبة به، وبمن يلمع صورته ،ويدافع عنه، والساكت عن الحق شيطان أخرس، فما بالك عمن يدافع عن أعلى مسؤول في المحافظة ،ولا يوجد من هو أعلى منه .
استطاعت الجيوش الالكترونيه للأسف الشديد من تغيير الأحداث ،فالضحية ربما أصبحت مجرمة لأنها ذهبت إلى هذا المجمع ،والمجرم أصبح ضحية ،وكل هذا ،وصفحات ممولة ،ومدفوعة الثمن تحاول أن تغير قناعات الشعب الساذج الذي يسهل الضحك عليه ليصبح المحافظ بطلا في أعين البعض .
ضع في الميزان خسائر هذه الفاجعة ،وقيادة المحافظ للمحافظة ستجد أن الكثير يريد أن يقنع نفسه ،ويقنع الجميع أن المحافظ لا يعوض ،وأنه ليس مثيل، ولن يأتي أحد ثاني ليحل محله .
الحديث عن انجازات شخص ما يعمل بمرتب ،وامتيازات خيالية يجب أن لا تكون سببا في أن تصفح عنه حينما يخطئ ،هذا هو العدل أن نضع النقاط على الحروف ،وأن نعطي كل ذي حق حقه ،ولذلك قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم:- كلكم راع ،وكلكم مسؤول عن رعيته ،فالراعي الذين تتباكون عليه قد تسبب في موت أكثر من 70 شخصا.
أين مستشارو المحافظ، وأين المدراء العامون ذوي العلاقة، وأين عقولهم في إنقاذ الناس هل عجزوا عن إيجاد طريقة ناجعة في أن ينفذوا الجميع ؟!
لماذا لم تتحرك كل آلية تمتلكها المحافظة لإنقاذ الموقف ؟!
الفساد ، ومحاربته لا تنجح إلا بتنظيف السلم من الأعلى إلى الأسفل ،والمحافظ أعلى سلطة في المحافظة.
لا ألومكم في البكاء على المحافظ ،وقد سبقه الفاسد مله طلال في الحكم ،وهكذا ابتلي العراق بشلة من الفاسدين الذين سلطوا على رقاب الناس حتى صرنا نتباكى على مسؤول فاسد، فربما سيأتي الذي هو أفسد منه .
لا استغرب لهذه العقول التي نتباكى على المحافظ ،فقد راعني منظر المحتفلين لخروج المحافظ الأسبق مله طه من السجن، وكأنه عائد من بيت الله، أو من سفر بعيد
هكذا هو الشعب العراقي ينسى ،ويتناسى آلامه لأنه تعود على الألم ،ولم يعش يوما واحدا كباقي البشر في العالم من حولنا، فنحن نرى أبسط حقوقنا منجزات يحققها موظفون يتقاضون راتبا إزاءها ،ونصفق لهم ،ونقبل أيديهم .
أي من شعوب العالم لا يتمتع بالطاقة الكهربائية ،ولا يعاني من انقطاعها أي من الشعوب لا يعاني من أزمة السكن والبطالة ؟!
لا أحد إلا العراق، فهو يعاني من كل مشاكل الكون دفعة واحدة ،وهو صابر، ويدافع عن مسؤول فاسد ،ويصفق، ويطبل له من حيث لا يعلم .
العراق بخيراته وثرواته شعب يعيش على الهامش ،وأكبر أحلامه أن تتوفر الكهرباء، وأن يسكن في بيت محترم ،وأن يجد وظيفة ،والدستور العراقي ضمن له ذلك، ولكن لا شيء تحقق على أرض الواقع .
سيستمر الفساد ،وتمر جرائم دون عقاب لأن الشعب جزء من المشكلة ،والشعب شريك في الجريمة ،فمن يدافع عن محافظ واسط حتما دافع عن فاسد، ولص ،ومجرم سابق .
افتح عينك لترى المشهد بوضوح قبل أن تدافع عن المحافظ تذكر من استشهد ،وتفحمت جثته تذكر لوعة أب على ابنه ،وعلى زوجته ،ولوعة أم على وليدها على شباب ،وأطفال ،تذكر كل هؤلاء قبل أن تدافع عن مسؤول لن يعيش مثلك، فأنت في عالم ،وهو في عالم يتنعم بأموال ،وحمايات ،ومواكب، وحياة مرفهة ،وجواز دبلوماسي ،وأنت تعاني من انقطاع الكهرباء ،ومن شظف العيش، ومن الفقر ،ونقص الخدمات .
لا تدافع عن فاسد حتى لا يموت عراقيون آخرون مستقبلا بسبب فاسد، لا تدافع عن فاسد حتى لا يأتي فاسد آخر يحكمك ،وحتى يصل للحكم من هو أهل له .
تذكر ،وأنت تكتب حرف ،أوكلمة للدفاع عن المحافظ، تذكر أنك ستكون شريكا في جريمة راح ضحيتها أكثر من ٧٠ بريئا .


