البرجوازية الورعة في العراق تحولات الهوية من الإنتاج الثقافي الى التديّن السياسي

البرجوازية الورعة في العراق تحولات الهوية من الإنتاج الثقافي الى التديّن السياسي
تاريخ البرجوازية العراقية يكشف تحوّلها من طبقة مدنية راعية للثقافة في العهد الملكي، إلى برجوازية مرتبطة بالسلطة البعثية، ثم برجوازية ورعة بعد التسعينيات تحالفت مع الإسلام السياسي بعد 2003. تحوّلت من حاملة للحداثة إلى طبقة ريعية محافظة....

شكّلت الطبقة البرجوازية، منذ بدايات القرن العشرين، عنصراً مركزياً في تحولات المجتمع العراقي، ليس فقط بوصفها طبقة اقتصادية وسطى، بل بما مثّلته من حاضنة للثقافة الحضرية وصانعة للذوق العام في زمن الحداثة.  لعبت هذه الطبقة، في العهد الملكي (1921–1958)، دوراً ريادياً في بلورة مشروع الدولة المدنية الحديثة، فأسهمت في رعاية الفنون والآداب، وفي تأسيس الصحف والمجلات، والمدارس الأهلية، والمطابع، والصالونات الأدبية التي تحوّلت إلى فضاءات حوارية ونقدية. ومن أبرز هذه العوائل البرجوازية: آل الجلبي، وآل الباججي، والجادرجي، وآل الصراف، الذين احتضنوا كبار الشعراء والمثقفين مثل الجواهري، والرافعي، والزهاوي، وغيرهم.

ارتبطت هذه الطبقة تاريخياً بالمدينة، وبفكرة التمدّن المرتبطة بالاجتهاد الشخصي والرأسمال المنتج، ولم تكن بمعزل عن قيم التنوير والانفتاح. صالونات بغداد والبصرة والموصل كانت منابر للنقاش حول قضايا الأمة، ومواطن احتفاء بالفنون والكتب والمسرح، وأسهمت في إنتاج سياق اجتماعي يحتفي بالثقافة والحرية. ويذكر الباحث زهير الجزائري أن “البرجوازية العراقية خلال العهد الملكي كانت ترى في الثقافة استثماراً اجتماعياً يعزّز مكانتها الرمزية”. لذلك كان من الطبيعي أن تحتضن هذه الطبقة تجارب فنية بارزة في الموسيقى والمسرح والطباعة، مستندة إلى مصادر ثروتها النابعة من التجارة والعقارات والتعليم.

تحولات 14 تموز

إلا أنّ احداث 14 تموز 1958، وما تبعه من سيطرة العسكر على الحكم، غيّر البنية الطبقية في العراق. فقد تراجعت النخبة البرجوازية أمام صعود طبقة بيروقراطية جديدة مرتبطة بالدولة لا بالمجتمع، وبدأت سياسات التأميم والاشتراكية في الستينيات والسبعينيات تستهدف القطاع الخاص، ما دفع كثيراً من العوائل البرجوازية إلى الهجرة أو الانكفاء عن المشهد العام.

ولم تقتصر هذه التغيّرات على الاقتصاد فحسب، بل شملت تآكلاً تدريجياً في المكانة الرمزية للبرجوازية الثقافية، التي وجدت نفسها خارج فضاء الإنتاج الرمزي، لصالح ثقافة سلطوية مركزية.

البرجوازية المرتبطة بالسلطة

في فترة حكم حزب البعث، وخصوصاً في الثمانينيات، بدأت السلطة تصطنع طبقة من “البرجوازية المرتبطة”، أي تلك التي ترتبط مصالحها مباشرة بمراكز القرار السياسي، وتعمل كذراع مالية للدولة، لكنها لا تحمل مشروعاً ثقافياً مستقلاً. وتمّ تمكين هذه الطبقة من خلال الامتيازات، والعقود، والتوظيف السياسي للثروة، في مقابل تهميش البرجوازية المدنية التي بقيت مهمّشة أو تحت الرقابة. ويلاحظ حازم صاغية أن “السلطة البعثية صنعت برجوازية بلا ثقافة، تؤمن بالخضوع لا بالمبادرة” .

ومع دخول العراق في عقد التسعينيات، بعد الحصار الدولي إثر احتلال الكويت، شهد المجتمع تحوّلاً جذرياً في البنية القيمية. فقد أدّى الانهيار الاقتصادي، وتراجع الدولة المركزية، إلى تصاعد التدين الشعبي، وازدهار السوق الرمزية للورع والاحتساب، حيث ظهرت طبقة من التجار الجدد الذين مزجوا بين الربح والورع، فصار التديّن أداةً للتسويق، لا للزهد. هنا بدأت ملامح “البرجوازية الورعة” بالظهور، كصيغة هجينة تجمع بين الثروة والطقوس الدينية، بين الثراء الطافح والمظاهر الأخلاقية الشكلية، دون أي التزام بالإنتاج الثقافي أو الفني.

وقد أصبح التديّن، في هذا السياق، شكلاً من أشكال الشرعية الطبقية، يوظف في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية لتبرير النفوذ والهيمنة. يصف الباحث عبد الجليل الكوفي هذه الظاهرة بأنّها “تديّن السوق”، حيث تنسحب الطبقة الوسطى من الفضاء الثقافي العام، وتتموضع داخل أنماط استهلاكية ذات طابع ديني ظاهر، لكنها تفتقر إلى المحتوى الأخلاقي الحقيقي. وفي هذا الإطار، لم تكن البرجوازية الورعة راعية للفن، بل مناهضة له، باعتباره ترفاً غربياً أو خطاباً يشوّش “الهوية الأصيلة”.

بعد عام 2003، وفي ظل صعود الإسلام السياسي إلى السلطة، تحوّلت هذه البرجوازية الورعة إلى شريك حقيقي في الحكم، لا على المستوى السياسي فقط، بل الاقتصادي أيضاً. فقد امتلكت هذه الطبقة أدوات السوق، والجامعات الأهلية، والمستشفيات الخاصة، وشبكات التوظيف الحزبي، وتماهت تماماً مع بنية الدولة التي سعت إلى “أسلمة” المجال العام. لم يكن هذا التحول اعتباطياً، بل جاء ضمن إعادة إنتاج للسلطة من خلال التديّن الشكلاني والاحتكار الاقتصادي. ويشير هشام داوود إلى أن “التحالف بين البرجوازية الورعة والأحزاب الدينية في العراق وفّر غطاءً شرعياً للفساد، وقوّض إمكانات بناء دولة مدنية حديثة”.

هذه الطبقة، التي تُظهر التدين وتخفي الفساد، لم تُنتج أدباً، ولم تدعم مسرحاً، ولم تساهم في بناء متحف أو مكتبة عامة، بل اكتفت ببناء الجوامع ذات الطابع الاستعراضي، ورعاية المناسبات الدينية، بوصفها واجهات لإظهار “الورع الرأسمالي”، التي تُشرعن الثروة باسم الدين. وهنا تتجلّى المفارقة الجوهرية: فبينما كانت البرجوازية في العهد الملكي حاملة لمشروع ثقافي حضاري، تحوّلت في ظل الإسلام السياسي إلى طبقة استهلاكية محافظة، تسعى إلى تديين الاقتصاد لا إلى تحديث المجتمع.

خضعت هذه التحولات لقاعدة سوسيولوجية دقيقة تختصرها المقولة الشهيرة: “الناس على دين ملوكهم”. فكما تماهت البرجوازية الملكية مع التنوير الملكي، وتمثلت في رمز مثل نوري السعيد الذي دعم المثقفين والفنانين، فإن البرجوازية الحالية تتماهى مع نموذج السلطة الدينية، وتعيد إنتاج قيمها القائمة على الورع المظهري، والطاعة السياسية، والربح المحمي. لم تكن هذه الطبقة مستقلة يوماً عن السلطة، لكنها باتت اليوم مرآتها الأقرب: محافظة، ريعية، منغلقة على ذاتها، ومعادية للحداثة الثقافية.

إن دراسة تطوّر هذه الطبقة تكشف عن العلاقة العميقة بين بنية الدولة وبنية المجتمع، بين الاقتصاد والمعنى، وتؤكد أن الطبقة البرجوازية ليست فاعلاً محايداً، بل كائن سياسي وثقافي يتشكّل وفق ملامح السلطة. فمن طبقة رعت الفنون إلى طبقة ترفع شعارات الورع، تتجلى سيرة البرجوازية العراقية بوصفها نصاً يعكس، في كل مرحلة، المزاج العام للسلطة، واتجاهات الدولة، وقيم المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *