شُحّة المياه في العراق تُعدّ من أبرز الأزمات البيئية والاقتصادية التي تواجه البلاد في العقود الأخيرة، وتُعزى أسبابها إلى عدة عوامل داخلية وخارجية، أبرزها السياسات المائية للدول المتشاطئة، وتحديدًا تركيا.
ويعتمد العراق بشكل كبير على نهري دجلة والفرات، وهما نهران ينبعان من الأراضي التركية، ويدخل نهر دجلة مباشرة الى العراق ويمرّ نهر الفرات عبر سوريا قبل وصوله إلى العراق. يشكّل هذان النهران أكثر من 90% من الموارد المائية السطحية في العراق.
السياسات المائية وتأثيراتها الخطيرة
وقد تأثر العراق كثيراً بالسياسات التركية، من خلال مشاريعها الضخمة في جنوب شرق الأناضول، وخصوصًا مشروع “غاب” (GAP)، حيث تم بناء العديد من السدود الكبيرة على نهري دجلة والفرات، مثل: سد أتاتورك على نهر الفرات، وسد إليسو على نهر دجلة، وقد أثرت هذه المشاريع كثراً على مستوى دخول المياه في العراق وأدت الى إنخفاض حصة العراق المائية وتقليص كمية المياه المتدفقة إلى العراق بنسبة تتراوح بين 40% إلى 60%، بحسب بعض التقديرات.
وسياسياً فقد تغير نمط جريان النهران وأصبحت المياه تُدار وفق قرارات سياسية وموسمية تركية، وليست وفق الطبيعة أو الاتفاقيات الدولية.
الأبعاد السياسية والقانونية للأزمة
وقد إعتبر العراق هذا العمل هو ضغطاً سياسياً فهناك اتهامات لتركيا بإستخدام المياه كورقة ضغط سياسي وإقتصادي في علاقاتها مع العراق.
وبذلك إنعكست هذه السياسات على العراق بجفاف وتدهور الأراضي الزراعية وإنخفاض منسوب المياه أدى إلى تقلص الأراضي المزروعة. وهجرة الفلاحين من الريف إلى المدن.
وإنخفاض التدفق يعني تركيز أعلى للملوثات. وتراجع الإنتاج الزراعي والإعتماد المتزايد على الاستيراد.
وكذلك حدوث التوترات السياسية الداخلية والخارجية بسبب أزمة المياه.
ومن ناحية الموقف القانوني والدبلوماسي فإنه لا توجد إتفاقيات ملزمة بين العراق وتركيا بشأن حصص المياه.
ولكن كثيراً ما حاول العراق بالمطالبة بإطار قانوني دولي لتقاسم المياه العابر للحدود وفق مبدأ “الإنصاف وعدم الإضرار”، لكن تركيا ترفض إعتبار دجلة والفرات أنهاراً دولية، وتصفها بـ”المياه العابرة للحدود”.
وفي السياق نفسه، فإن التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية العراقية، خاصة في قضايا حساسة مثل قانون الحشد الشعبي، يُعدّ انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية، تماماً كما هو الحال في ملف المياه حيث تُفرض الإرادات الخارجية على القرار الوطني. هذا النهج الأمريكي يسعى لإضعاف قدرة العراق على حماية موارده ودعم مؤسساته الدفاعية، مما يفتح المجال لمزيد من الابتزاز الجيوسياسي.
ومن الناحية الوطنية، فإن الحشد الشعبي يمثل ركيزة استراتيجية في منظومة الدفاع العراقية، شأنه في الأهمية كأهمية الأمن المائي للعراق. وكما يجب الدفاع عن حقوق العراق المائية، فإن الدفاع عن الحشد الشعبي ضرورة لحماية الاستقرار الداخلي وردع التهديدات الخارجية، إذ يشكل الحشد قوة ردع شعبية وعسكرية ساهمت في الحفاظ على وحدة العراق في مواجهة أخطر التحديات.
وتوجد هناك حلول مقترحة على الطاولة تختاج الى تفعيل بجدية لمصلحة العراق وهي:
المفاوضات الثنائية بين الطرفين والمتعددة الأطراف.
وكذلك الضغط عبر المجتمع الدولي والأمم المتحدة.
وتطوير إدارة المياه داخل العراق (تقليل الهدر، تحديث أنظمة الري، وإرشاد المواطنين). وتنويع مصادر المياه كإعادة تدوير المياه وعدم خروجه للخليج.
الخلاصة
شُحّة المياه في العراق ليست أزمة بيئية فقط، بل هي قضية استراتيجية ترتبط مباشرة بالسياسة المائية التركية. ومع غياب اتفاقيات ملزمة، سيبقى العراق يعاني من ضغوط مائية متزايدة، ما لم يتحرك بسرعة على الصعيدين الدبلوماسي والإداري.


