الوهم الليبرالي: كيف قادت الهيمنة الأمريكية العالم إلى الحروب والانقسامات؟

الوهم الليبرالي: كيف قادت الهيمنة الأمريكية العالم إلى الحروب والانقسامات؟
تناول النص فشل الهيمنة الليبرالية الأمريكية بعد الحرب الباردة، موضحًا كيف أدى توسع الناتو وأزمة أوكرانيا إلى صدام مع روسيا، وسط اعتماد أوروبي متزايد على واشنطن، وتحذير من أن انشغال أمريكا بالحروب يضعف قدرتها على مواجهة صعود الصين....

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقع غير مسبوق كقوة عظمى وحيدة، فصاغ صناع القرار الأمريكيون استراتيجية طموحة سُمّيت بـ”الهيمنة الليبرالية”. جوهرها أن أمريكا لا تكتفي بالدفاع عن مصالحها، بل تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي وفق قيمها: الديمقراطية، السوق الحرة، واحترام حقوق الإنسان. لكن هذا المشروع سرعان ما دخل في تناقضات داخلية، وأنتج حروباً وفوضى بدلاً من السلام والنظام. وهنا يأتي المفكر الأمريكي البروفيسور جون ج. ميرشايمر هو أستاذ العلوم السياسية المتميز في جامعة شيكاغو، حيث يناقش كتابه “الوهم الكبير: الأحلام الليبرالية والحقائق الدولية” وكيف أن الناتو يقود أوكرانيا في طريق محفوف بالمخاطر. حيث يقول بوضوح: الهيمنة الليبرالية مشروع محكوم بالفشل… لأنه يتجاهل الطبيعة الواقعية للصراع الدولي.

*أوهام الليبرالية في توسع الناتو*

في أعقاب نهاية الحرب الباردة، بدت اللحظة مثالية لصناع القرار في واشنطن لتمرير مشروع توسعي جديد، لكن هذه المرة لم يكن التوسع عسكرياً صريحاً كما في عهود الإمبراطوريات، بل مغلفاً بشعارات الديمقراطية والانفتاح. هكذا بدأ حلف الناتو يتوسع شرقاً، دولةً تلو الأخرى، باتجاه حدود روسيا، بزعم أن الهدف ليس تطويق موسكو، بل ببساطة “نشر الديمقراطية”  في دول أوروبا الشرقية التي خرجت لتوّها من قبضة الأنظمة الشمولية.

لكن في موسكو، لم يُنظر إلى هذا التحرك بالطريقة ذاتها. فمنذ البداية، حتى عندما كانت روسيا لا تزال ضعيفة، منهكة اقتصادياً، ومفتقدة للثقة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، كانت النخبة السياسية والعسكرية تنظر بقلق متزايد إلى هذا الزحف الأطلسي. لم يكونوا بحاجة إلى أن يكونوا أقوياء حتى يشعروا بالخطر؛ التهديد كان مبدئياً، وجودياً. كانوا يرون أن الغرب لا يكتفي بانتصاره في الحرب الباردة، بل يسعى إلى إعادة رسم خريطة النفوذ العالمي على حساب الأمن الروسي ومجاله الحيوي.

ثم جاءت لحظة الانفجار في عام 2014، عندما اندلعت الأزمة الأوكرانية وسقط نظام موالٍ لروسيا في كييف، لترد موسكو سريعاً بضمّ شبه جزيرة القرم.

لم يكن الضمّ مجرد خطوة هجومية، بل إشارة واضحة على أن روسيا بدأت تتصرف بناءً على منطق الردع والاستباق. ومنذ ذلك الحين، أصبحت أوكرانيا خط التماس الأخطر بين عالمين: عالم تحركه أوهام الهيمنة الليبرالية، وآخر يستند إلى الواقعية الجيوسياسية.

لكن الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، ظل متمسكاً برؤيته “الأخلاقية”.

فمن وجهة نظر واشنطن، ليس ثمة ما يدعو للخوف من تمدد الناتو؛ فنحن – كما تقول الرواية الليبرالية – قوة خيّرة، نريد فقط السلام والديمقراطية، ولا أحد يجب أن يرتاب من نوايانا. وهنا وقع الخطأ الكبير: فالعلاقات الدولية لا تُبنى على النوايا، بل على تصور الأطراف لبعضها البعض. وروسيا لم تكن تنظر إلى هذا التحرك إلا بوصفه خنقاً تدريجياً لمجالها الحيوي، تهديداً لا يمكن التهاون معه، حتى وإن ارتدى قفازات الدبلوماسية وشعارات الحرية.

وجاء غزو 2022 ليحمل كل المعاني التي تجاهلها الغرب طوال سنوات.

لم يكن مجرد حرب، بل إعلان روسي صريح بأن الخطوط الحمراء قد تم تجاوزها، وأن منطق الواقعية سيعود ليفرض نفسه من جديد. لقد كانت أوهام الليبرالية –  تلك التي تؤمن بأن العالم سيتحول تلقائياً إذا زُرعت فيه الديمقراطية – هي التي دفعت الغرب إلى خطوات استفزازية، دون أن يدرك أن خصومه لا يتشاركون معه الرؤية ولا يثقون في نواياه. وكان الثمن: حرباً أوروبية شاملة تهز النظام الدولي حتى اليوم.

*المعادلة الأوروبية*

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عاشت أوروبا، في ظل المظلة الأمنية الأمريكية. ومع أن القارة تمتلك إرثاً عريقاً من الدول القوية والأنظمة السياسية الراسخة، فإنها لم تستطع يوماً أن تنعم باستقلال استراتيجي حقيقي. ومع كل أزمة دولية، كانت الحقيقة تعود لتفرض نفسها:  الخوف الأوروبي الأكبر لم يكن من روسيا فقط، بل من انسحاب أمريكا.

هذا الخوف تصاعد بشكل واضح منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. فبينما كانت الدول الأوروبية تدين الغزو الروسي وتدعم كييف، كان هناك همسٌ في الكواليس:

ماذا لو قررت أمريكا الانسحاب؟ ماذا لو تغيرت الإدارات وتغيرت معها الأولويات؟

في هذا السياق، بات بعض صناع القرار في أوروبا يرون أن استمرار الحرب – رغم كلفتها – قد يكون وسيلة لضمان بقاء القوات الأمريكية على الأراضي الأوروبية، وللحفاظ على التزام واشنطن تجاه الحلف الأطلسي. لكن لهذا الثمن تبعات باهظة. فكلما طال أمد الصراع، زادت تبعية أوروبا لواشنطن، وابتعدت القارة عن حلم “الاستقلال الاستراتيجي” الذي طالما دعت إليه باريس وبرلين.

وفوق ذلك، تركت الحرب بصماتها على الداخل الأوروبي: أزمة اقتصادية خانقة، تضخم، نقص طاقة، وانقسام سياسي بين الشرق والغرب، بين من يريد مواصلة التصعيد ومن يدعو إلى حلول تفاوضية.

وهكذا، وقعت أوروبا في معادلة معقدة: البقاء تحت الحماية الأمريكية يوفّر لها الأمن، لكنه يجرّدها من القرار. أما السعي للاستقلال، فيتطلب مواجهة الحقيقة المقلقة:  أن أوروبا وحدها، حتى الآن، لا تملك القوة الكافية لتكون لاعباً مستقلاً في عالم يسوده منطق القوة والقطبية الجديدة.

*الصين كمنافس رئيسي*

في نظر جون ميرشايمر، لا شيء يهدد الهيمنة الأمريكية على المدى البعيد أكثر من صعود الصين. فهو لا ينظر إلى بكين كدولة كبرى فحسب، بل كمنافس رئيسي ووجودي قد يغيّر موازين القوى العالمية إن لم يتم احتواؤه مبكراً.

ومن هذا المنطلق، يرى ميرشايمر أن المسرح الحقيقي لصراع القوى في القرن الحادي والعشرين هو آسيا، لا أوروبا ولا الشرق الأوسط.

لكن بينما تُوسّع الصين نفوذها في بحر الصين الجنوبي، وتستثمر في التكنولوجيا والطاقة والبنى التحتية في إفريقيا وآسيا الوسطى، تنشغل واشنطن بحروب لا تنتهي.

ففي أوكرانيا، تغوص في نزاع دموي مكلف ضد روسيا،

وفي الشرق الأوسط، تواصل الانخراط في أزمات معقدة، من إيران إلى سوريا إلى أمن الخليج.

ميرشايمر يحذّر من هذه الازدواجية الاستراتيجية. فكل جهد يُبذل خارج آسيا – سواء في أوكرانيا أو العراق أو غيرهما – هو في نظره تشتيت للموارد، واستنزاف للقدرة الأمريكية على تركيز قوتها حيث يجب. إن بقاء واشنطن عالقة في ملفات ثانوية، يُضعف قدرتها على مواجهة الخطر الحقيقي القادم من الشرق، ويجعلها تفوّت اللحظة الحاسمة التي قد تحدد مستقبل النظام الدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *