منصة الفاو الغازية والاستثمارات المقيتة

منصة الفاو الغازية والاستثمارات المقيتة
منصة الفاو الغازية توفر حلاً مؤقتاً لأزمة الطاقة عبر استيراد الغاز المسال، لكنها تعزز التبعية وتستنزف العملة الأجنبية. الحل الاستراتيجي يكمن في استثمار الغاز المصاحب، تطوير البنية التحتية، وتنويع مصادر الطاقة لضمان أمن العراق الطاقي....

 أولا: السياقات العامة قبل تحليل الأضرار:

دائماً ما تأتي الحلول في العراق بعد حدوث الازمة، أي انه لا توجد هنالك توقعات او دراسات مستقبلية مستفيضة تحدد الأهداف والاستراتيجيات الهامة في الاقتصاد العراقي، خصوصاً بعد اتخاذ الولايات المتحدة الأميركية مؤخراً قراراً بإلغاء إعفاء العراق من استيراد الغاز الإيراني؛ إن العراق ينتج أكثر من ( 62% ) من الغاز اي حوالي ( 3.2 ) مليار قدم مكعبة قياسي من الغاز يوميا، الا ان كمية الغاز المستخرج والمعالج لا تتجاوز ( 1.04 ) مليار قدم مكعبة يوميا، لأنها تفتقر إلى المرافق اللازمة لمعالجته وتحويله إلى وقود للاستهلاك المحلي أو التصدير، ويستورد نحو ( 40% ) منه وتعتبر نسبة عالية جداً، أي ان الانفاق على الغاز المستورد ما يقرب من 4 مليارات دولار سنويا على واردات الغاز والكهرباء من إيران.

العراق يحرق الغاز المصاحب بكميات ضخمة تصل كميه الغاز المحروق الى حوالي (17.3)  مليار قدم مكعبة من الغاز سنويا، ويعتبر واحدا من أكبر دول العالم في مجال حرق الغاز الطبيعي وقد ظل بالمركز الثالث في قائمة أكثر ( 10 ) دول حرقاً للغاز في العالم، وعلى وجه الخصوص الغاز المصاحب للنفط المنتج رغم أنه قابل للاستثمار كمصدر طاقة محلي، الا ان العراق يعتمد على الغاز الإيراني بنسبة كبيرة لتشغيل محطات الكهرباء، بسبب عدم وجود البنية التحتية الكافية في العراق، ومع إلغاء الإعفاء الأميركي، بات أمام تحداً كبير، رغم ان هنالك مشاريع استثمار غاز محلي (مثل الفيحاء والبصرة) لكنها لم تصل بعد لمستوى يغطي كامل الطلب.

ان العراق يهدف إلى استغلال الغاز المصاحب للعمليات النفطية في غالبية حقول النفط، وفي مقدمتها حقل الزبير النفطي؛ الا ان خسائر حرق الغاز في العراق تتجاوز تتراوح بين (15 – 17) مليار دولار سنويًا، ويشكل التوقف عن حرق الغاز في العراق واستثماره أحد الحلول الرئيسة في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليص فاتورة الاستيراد، بالإضافة إلى الوفاء بالتعهدات والالتزامات المناخية.

رغم أن إنشاء منصة الفاو الغازية، بسعة تخزينية (300 ألف متر مكعب)، هي (محطة لاستيراد الغاز المسال)، (LNG)، الواقعة في محافظة البصرة يعكس محاولة لحل أزمة فورية، إلا أن الضرر الاقتصادي يكمن في التوجه نحو حل خارجي مكلف ومؤقت، بدل التركيز المكثف على استثمار الغاز المحلي من خلال انشاء محطات معالجة، وحتى يتحول المشروع من عبء اقتصادي إلى فرصة، يجب أن يترافق مع تسريع مشاريع الإنتاج المحلي، وزيادة الاستثمار في البنية التحتية للغاز داخل العراق.

ثانياً: الإضاءة الاقتصادية للمشروع:

ان النقطة المضيئة المستقبلية والمشروطة في هذا المشروع، هو أن العراق قد يصدر الغاز لاحقاً عبر المنصة إذا حقق الاكتفاء الذاتي، هذا سيناريو إيجابي، لكن مشروط بسرعة وكفاءة تنفيذ مشاريع استثمار الغاز المصاحب، وتطوير منصة عائمة في الميناء، مرتبطة بشبكة الأنابيب بطول (40) كم ، ويهدف المشروع إلى تنويع مصادر إمداد الغاز وتأمين الوقود لمحطات الطاقة الكهربائية، مما يساهم في تقليل الانقطاعات وتحسين استقراريه الشبكة الكهربائية، ومن اهم مصادر التوريد والاستيراد المثلى هي كل من ( قطر، الجزائر، إندونيسيا، ماليزيا، البرازيل)، وقد يوفر هذا المشروع حوالي ( 1500–2000 )، ميغاواط إضافية من الإنتاج الكهربائي.

أيضا يعمل المشروع على خلق فرص استثمارية من خلال تطوير الميناء والمشاريع المرتبطة به، كما ان المشروع يمثل استراتيجية حيوية لتعزيز البنية التحتية للطاقة بالعراق، بهدف تنويع موارد الوقود وتمكين محطات الكهرباء من الاعتماد على مصادر مستقرة، وتشغيل المحطات بكامل طاقتها بدلا من تشغيلها جزئيا، أو تشغيلها بالوقود السائل المكلف، كما انه يقلل من الاعتماد على الغاز الإيراني الذي يتسبب بديون كبيرة نتيجة التأخير في السداد ورغم المكاسب الكبيرة المتوقعة، إلا أن نجاحه الاقتصادي يرتبط بسرعة إنجاز البنى التحتية، وتوفر التمويل، والتعاون الفعال بين الوزارات ذات الصلة.

ثالثا: الأضرار الاقتصادية على العراق من إنشاء المنصة:

يمكن تحليل الأضرار الاقتصادية على العراق من إنشاء منصة ثابتة بتكلفة انشاء ( 2.5 – 4) مليار دولار تقريبًا يتضمن (البنية التحتية مع الربط)، لاستيراد الغاز من الخارج ضمن السياق الحالي للطاقة، كما يلي:

  • زيادة الاعتماد على الخارج في استيراد الغاز وفقدان الاستقلالية في قطاع الطاقة: ان إنشاء منصة لاستيراد الغاز يدعم التعويل على الأسواق الخارجية، في حين أن العراق بلد منتج للغاز، رغم وجود خطة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، فإن إنشاء هذه المنصة قد يدرك كإقرار بعدم كفاية الاستثمار المحلي على المدى القصي، هذا الاعتماد يعرض العراق لتقلبات أسعار الغاز العالمية أو الأزمات الجيوسياسية التي قد تؤدي لانقطاع الإمدادات.
  • كلفة النقل والتغويز: تكلفة الشحن، التغويز (Regasification)، والتخزين قد تكون مرتفعة، وبهذا ستزيد الانفاقات على هذا المشروع دون جدوى اقتصادية.
  • الكلف الاستثمارية الكبيرة: إنشاء منصة ثابتة او منصة عائمة، إلى جانب شراء الغاز ونقله وتخزينه، يمثل عبئاً مالياً كبيراً على الموازنة العام، هذه الكلفة كان يمكن توجيهها لتسريع مشاريع استثمار الغاز المصاحب، أو تطوير البنية التحتية المحلية.
  • استنزاف العملة الاجنبية: العراق يستورد نحو (40–50%) من حاجته للغاز، وأن هذه الكمية بالتأكيد ستُدفع بالدولار أو عملات أجنبية، وان استمرار الاستيراد يُشكل ضغطاً على احتياطي العملة الأجنبية ويزيد من العجز التجاري. للدولة
  • توقف في توظيف الموارد المحلية: ان العراق يحرق كميات كبيرة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط يومياً، (حرق غير مستثمر)، وان إنشاء منصة للاستيراد، دون تعجيل استثمار الغاز المحلي، يُفقد البلد فرصة اقتصادية كبيرة في خلق صناعات غازية وتحقيق الاكتفاء الداخلي.
  • تأخر في تطوير مشاريع البنية التحتية الغازية المحلية: ان مشروع بناء المنصة قد يشجع بعض الجهات على تأجيل مشاريع تطوير الغاز المحلي لصالح الحلول السريعة (الاستيراد)، ما يؤدي إلى تباطؤ النمو الصناعي المحلي المعتمد على الغاز.
  • مخاطر من التقلبات السياسية والدولية: بعد إلغاء الإعفاء الأميركي للعراق من استيراد الغاز الإيراني، أصبح العراق مضطراً للبحث عن بدائل، لكن استيراد الغاز من أسواق أخرى يُعرضه لمخاطر التوترات السياسية الإقليمية أو العقوبات الدولية، مما يجعل أمنه الطاقي هشاً.
  • احتمالية زيادة كلفة إنتاج الكهرباء: استيراد الغاز بأسعار السوق قد يؤدي إلى ارتفاع كلفة تشغيل محطات الكهرباء، ما ينعكس على دعم الدولة لأسعار الكهرباء أو زيادتها على المواطنين.

رابعا: اهم البدائل في معالجة مشكلة الغاز:

ان معالجة مشكلة الغاز في العراق تتطلب محاكاة مجموعة من البدائل والسياسات، اذ ان العراق يعاني من حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط بنسبة كبيرة، ما يفضي إلى هدر ثروة وطنية وتلوث بيئي، هذا إلى جانب استمرار استيراد الغاز من دول الجوار مثل (إيران) لتشغيل محطات الطاقة الكهربائية، وفيما يلي أهم البدائل:

البديل المميزات السلبيات
تطوير الغاز المحلي مصدر دائم، يقلل التبعية الخارجية يحتاج وقتًا طويلًا واستثمارات ضخمة
الطاقة الشمسية مستدامة وصديقة للبيئة لا تغطي الاحتياج الفوري، تحتاج استثمارات كبيرة
بناء محطات لمعالجة الغاز الطبيعي LNG بالفترة الانتقالية سريعة التنفيذ، وتغطي النقص الحالي مكلفة نسبياً، تعتمد على السوق العالمية للغاز
تنويع مصادر الطاقة الكهربائية استمرارية في الانتاج التكاليف العالية

خامسا: اهم التوصيات الاقتصادية:

  • دمج المنصة مع مشاريع المعالجة والتخزين في البصرة لضمان استمرارية التوريد.
  • الاستثمار في خطوط نقل الغاز داخليا لربط الفاو بباقي المحافظات.
  • إنشاء شراكات طويلة الأمد مع موردين موثوقين.
  • مراقبة الأسعار العالمية وتوقيع عقود شراء مسبق لتقليل تقلب الأسعار.
  • استثمار فوائض الغاز المستورد في صناعات تحويلية مثل البتروكيمياويات.
  • تحقيق الجدوى الاقتصادية والاستدامة المالية
  • إعداد دراسة جدوى دقيقة تشمل:
  • تحليل تكلفة الإنشاء والتشغيل.
  • الإيرادات المتوقعة من استخدام الغاز في توليد الكهرباء.
  • بناء مخزون استراتيجي من الغاز المسال يكفي لمدة تحسبا لأي طارئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *