منذ سقوط النظام السابق عام 2003، اختارت المرجعية العليا في النجف الأشرف، بزعامة السيد علي السيستاني، أن تكون صمام أمان روحي وأخلاقي للمجتمع، بعيدة عن الانخراط المباشر في الصراعات الحزبية.
وفي كل المنعطفات الكبرى — من كتابة الدستور إلى مواجهة الإرهاب — كانت المرجعية تدعم استقرار الدولة وتحمي وحدة المجتمع، مع رفض أي محاولة لاستغلال مكانتها الرمزية.
البيان الأخير الصادر عن مكتب السيد السيستاني، قبيل زيارة الأربعين، يأتي ليجدد هذا الموقف ويؤكد: المرجعية ليست أداة في يد أحد.
البيان شدد على رفض استخدام صورة المرجع الأعلى أو اسمه لأغراض سياسية أو دعائية، معتبرًا أن هذا السلوك يفرغ الرمز الديني من قدسيته ودوره الأخلاقي.
ان صدور البيان قبل زيارة الأربعين له دلالة بالغة، فالمناسبة تشهد سنويًا حضور ملايين الزائرين وارتفاع حجم اللافتات والشعارات، مما يغري بعض الجهات لاستغلال الأجواء لتحقيق مكاسب سياسية أو شعبية.
بدعوة البيان للـ”جهات المعنية” لاتخاذ الإجراءات المناسبة، وضعت المرجعية المسؤولية في يد الدولة، لا في يدها، لضبط الفضاء العام ومنع التلاعب بالرموز الدينية.
هذه إشارة إلى أن حماية الحياد الديني ليست مهمة المرجعية، بل واجب السلطات المدنية والأمنية.
البُعد الآخر للبيان يتوجه للقواعد الشعبية، محذرًا من الانجرار وراء الصور واللافتات التي لا تعكس حقيقة الالتزام بنهج المرجعية.
فالمرجعية العليا في النجف، بخلاف بعض المدارس الدينية الأخرى، لا تتبنى نموذج الحكم المباشر، بل تكتفي بدور المرشد الأخلاقي والناصح، وترفض أن تُستَغل لتزكية مشروع سياسي أو فئوي.
هذا البيان يعكس بوضوح استمرار هذا الخط.
البيان يمثل صفعة ناعمة لكل من يحاول شرعنة وجوده السياسي أو الشعبي عبر صورة السيد السيستاني، ويعيد رسم حدود العلاقة بين الدين والسياسة في الساحة الشيعية.
كما أنه يوجه رسالة للناس بأن احترام المرجعية لا يقاس بتعليق صورها، بل بالالتزام العملي بما تمثله من قيم ومبادئ.
في المحصلة، البيان ليس مجرد تنويه بروتوكولي، بل هو ترسيم واضح لخط أحمر: المرجعية العليا ليست منصة انتخابية ولا لافتة دعائية، بل ضمير أمة وحارس قيمها. ومن يحاول توظيفها سياسيًا، إنما يسيء للدين قبل أن يسيء للمرجعية.


