العالم الفهیم!
قراءة في الواقع والمآل. ففي زحمة التحولات الكبرى التي تضرب الشرق الأوسط، تتجه أنظار “العالم الفهيم”أي المثقف والمدرك لتشابك الداخل والخارج نحو مستقبل الموارنة في لبنان،هذه الطائفة التي كانت يومًا العمود الفقري للكيان اللبناني، والقوة المؤسسة لجمهوريته الأولى، لكنها باتت اليوم في حالة من التراجع المركب سياسيًا،وروحيًا،ووطنيًا.
هذا التراجع لا ينفصل عن أداء القيادات السياسية التقليدية المارونية، ولا عن الدور المتحوّل لبكركي، ولا عن المتغيرات الجيوسياسية التي أفقدت الموارنة ميزتهم التفاوضية، وجعلتهم في موقع الانكفاء بدل المبادرة.
أسباب هذا التراجع سببته قيادات مأزومة مثل جعجع وآل الجميل بإعتبارهمآ نموذجًا صالح للتشبيه،ففي المشهد السياسي الحالي، تبرز قيادتان مارونيتان تتقاسمان الصوت المعارض لمحور المقاومة،،حزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، وحزب الكتائب بقيادة آل الجميل. لكن ما بين الاستمرار في الخطاب الراديكالي والتراجع الشعبي في آن، يواجه هذان الطرفان إشكاليات بنيوية،
سمير جعجع مثلاً، برغم شعبيته القوية في معقله بشري ومحيطها، لكنه يبقى شخصية خلافية غير موفقه تطارده ذاكرة الحرب الأهلية والجرائم التي إرتكبها، وتضعه مواقفه الصدامية في عزلة سياسية عن شركاء الوطن، لا سيما مع الطائفة الشيعية التي تشكل ثقلًا سياسيًا وديموغرافيًا في لبنان لا يمكن تجاهله قَط.
موقع الزعامة التاريخية
أما آل الجميل، فقد تراجعوا من موقع الزعامة التاريخية إلى هامش التأثير، بسبب انقساماتهم الداخلية، وتحالفاتهم المتأرجحة، وخطابهم السياسي المسموم اتجاه الشيعه حصراً كطائفه وكمقاومة!، وفقدانهم لثقة قطاع واسع من المسيحيين، الذين باتوا يبحثون عن خطاب أكثر اتزانًا وأقل ارتهانًا للخارج.
هذه القيادات تراهن على الدعم الغربي والخليجي، ولا تملك في المقابل مشروعًا وطنيًا جامعًا، بل تنزلق نحو الخطابات الفئوية الفتنوية، ما يزيد من شرذمة الواقع الماروني بشكل خاص والمسيحي عمومًا.
ثانيًا،، بكركي التي لطالما اعتُبرت مرجعية روحية ووطنية، وصوتًا للعقل والإتزان، وضامنًا للتوازن المسيحي الإسلامي داخل لبنان، سجلت اليوم تغيّر واضح في تموضعها! فمنذ سنوات، تكرر البطريركية دعواتها لـ”الحياد” و”التدويل”، وهي عناوين لا تلقى إجماعًا وطنيًا، داخلياً، بل تثير الريبة في بيئة المقاومة، وتُفسَّر كدعوة مبطّنة لوصاية جديدة على لبنان.
في المقابل، تلتزم بكركي صمتًا مريباً حيال ما تقوم به إسرائيل من إنتهاكات لسيادة لبنان ، وحيال ملفات الفساد التي تورط بها سياسيون مسيحيون نافذون فاعتبرتهم تحت حمايتها، ما أفقدها مصداقيتها الأخلاقية كموقع روحي وديني، وجعل خطابها الانتقائي محل تشكيك من قبل كثير من اللبنانيين.
اليوم الانطباع السائد لدى “العالم الفهيم” وليس المتآمر هو أن بكركي أضاعت بوصلتها الجامعة، وتحولت من دور الراعي إلى طرف في نزاع سياسي، ما أضعف قدرتها على التأثير، وأساءت إلى إرثها التاريخي الممتد منذ القرن السابع عشر. ووضعت الموارنة بين التشتت والانكفاء ،وبعيدًا عن القيادة والمرجعية، تواجه الطائفة المارونية أزمة بنيوية أعمق، من خلال التشتت السياسي الداخلي بين القوات، والكتائب، والتيار الوطني الحر، والمستقلين، ما جعل القرار السياسي الماروني برُمَّته فاقدًا للفاعلية.
أيضاً الهجرة الكثيفة أفقدت الموارنة وزنهم العددي النسبي، لا سيما في المناطق المتداخلة ديموغرافيًا، مع الجنوب، والبقاع، والجبل. وخلقت عزلة استراتيجية بعد خسارتهم للتحالفات التقليدية مع السنة والدروز، واصطدامهم بالشيعة، ما حوّلهم إلى طائفة تعاني من ارتياب سياسي مزمن.
لقد تحوّلت الطائفة المارونية على عكس تاريخها الوسيط بين مكونات الوطن إلى طرف تبحث قياداته عن حماية خارجية، بدل بناء توازن داخلي مستند إلى الشراكة الوطنية. فأمام هذا الانحدار، بدأ يظهر تيار مسيحي بديل، يتّسم بالعقلانية، والانفتاح على المكوّنات اللبنانية الأخرى، وعلى رأسها المقاومة، ومن أبرز رموزه المطران عطا الله حنا (رغم كونه أرثوذكسيًا)، وبعض أصوات الجنوب المسيحي، الذين يدركون أن الرهان على الخارج خاسر، وأن الصمود إلى جانب الدولة والشعب هو الرهان الحقيقي. هؤلاء لا يرون في سلاح المقاومة خطرًا وجوديًا، بل يعتبرونه عنصر ردع في وجه مشاريع تفتيت المنطقة، ويحذرون من التبعية العمياء للمحاور الخارجية.أمام هذا المشهد، يرى “العالم الفهيم” أن الطائفة المارونية أمام خيارين لا ثالث لهما؟
*إما الاستمرار في السير خلف القيادات التقليدية التي تربط مصيرها بقوى الخارج، مع ما يحمله ذلك من مخاطر التهميش وفقدان الدور.
*أو العودة إلى خطاب وطني جامع، يُعيد للمسيحيين موقعهم كضمانة توازن لا كتلة صراع، عبر تجديد دور بكركي كمرجعية مستقلة عن الأحزاب والسفارات. وإعادة التموضع السياسي وفق منطق المصلحة اللبنانية لا الأجندات الخارجية.وترميم العلاقات مع المكونات الأخرى، لا سيما الشيعية منها، على قاعدة الشراكة لا المناكفه، وغير ذلك فإن مستقبل الموارنة لا يمكن أن يُبنى على خطاب الصدام والعزلة، ولا على ارتهان سياسي لجهات خارجية عابرة. بل يتطلب مراجعة داخلية عميقة، ومصارحة مع الذات والتاريخ، تعيد للطائفة دورها كركيزة لبنانية أصيلة، لا كأداة في صراعات الإقليم. الموارنة، كما يعرف العالم الفهيم، كانوا ركيزة وجود لا امتياز، وشركاء في الوطن لا سادة عليه. فهل من يسمع؟


