هل تسهم زيارة الأربعين في قيام نهضة ثقافية معاصرة ؟

هل تسهم زيارة الأربعين في قيام نهضة ثقافية معاصرة ؟
يدعو إلى نهضة ثقافية عربية إسلامية معاصرة مستلهمة من روح الإصلاح الحسيني، تعتمد على تمكين المجتمع بالمعرفة والدراسات الأنثروبولوجية، واستقلال المؤسسات الثقافية عن السياسة، لمواجهة تحديات العولمة التقنية وحفظ الهوية والقيم....

اذا كانت حياة القرن الهجري الأول قد احتاجت الى إصلاح خرج الحسين عليه السلام في طلبه من المدينة الى العراق ، في تلك الرحلة التاريخية التي انتهت بمعركة الطف الأليمة واستشهاده ومن معه ، فإن حياتنا اليوم ونحن في القرن الخامس عشر للهجرة هي كذلك بحاجة الى الإصلاح ، على الرغم من اختلاف ظروف حياة القرن الهجري الاول عن ظروف حياتنا اليوم.

تفيد الدراسات الانثروبولوجية والدراسات الطبية في مجال الاعصاب ان البشرية تتشابه في القدرات والامكانات ، وان ما يجعل هذا المجتمع مختلفاً عن ذاك هو الظروف التي يمر بها وتؤثر فيه ويتأثر بها . فقد كان السيف هو أداة الحرب في القرن الهجري الأول ثم صار الان بندقية ، وكانت ساحة القتال تقتضي المواجهة المباشرة بين الفريقين ، ثم صارت المعارك تدار عن بعد ، وظهرت جيوش الكترونية وطائرات مسيرة وما الى ذلك من ادوات الحرب الحديثة في وقتنا هذا . حتى في مجالات الحياة المدنية فقد كانت الكتب والرسائل هي وسيلة التواصل المعتمَدة في ذلك الوقت والمعتمِدة على الدواب وسيلة لإيصالها ، وكانت تستغرق وقتاً طويلاً ، ثم صارت رسائل الكترونية يتم ارسالها بكبسة زر الى اي مكان في العالم في اجزاء من الثانية  بواسطة اجهزة صغيرة متطورة وذكية . مع كل ذلك وعلى وفق ما تذهب اليه الدراسات فإن القدرات والامكانات موجودة كما هي ، وبالتالي فإن روح النهضة الحسينية ما تزال موجودة ، ونحن اليوم بأمس الحاجة اليها لإصلاح واقعنا المنهك بكثير من المشاكل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية . لكن كيف نستحضر تلك الروح في عصرنا الحالي ؟

انه مشروع النهضة الثقافية . وهو مشروع هدفه الإصلاح ، وطريقته هي تمكين المجتمع ثقافياً ، وألية عمل تلك الطريقة هي توظيف الدراسات الانثروبولوجية في الثقافة بدواعي تقليل المسافات بين الثقافة الشعبية وثقافة النخبة . فالانثروبولوجيا علم يعنى بدراسة كل ما له علاقة بطبيعة المجتمعات البشرية ، فهو يدرس تأثير اللغة في الفرد والمجتمع ، ويدرس تأثير الدين ، ويدرس العادات والتقاليد ومنظومة جسم الإنسان  ، ويدرس علاقة الفرد بالاسرة وبالمجتمع . وحيث ان النهضة هي اصلاح تدريجي يخاطب العقل ويعتمد ادوات الاعلام والتعليم حتى يحقق هدفه ، لذلك ادعو الى توسيع عمل انشطة الثقافة الحالية الى ابعد من حدود الابداع الادبي والفني ، هذا الابداع الذي أُعدّه عاملاً مهماً مضافاً الى العامل الديني والعامل الانساني في قضية الحسين ، قد منح نهضة الحسين عليه السلام حضوراً مرناً طيلة هذه المدة الزمنية الطويلة التي تفصل بيننا وبين الحسين عليه السلام.

ما دواعي حاجتنا الى نهضة ثقافية معاصرة ؟

اننا نعيش عصر التكنلوجيا ، عصر التطور التقني المتسارع ، عصر الذكاء الاصطناعي . وهو عصر مصادر بالكامل لصالح الدول الاكثر تطوراً في مجال العلم والصناعة . وهو عصر مصادر بالكامل لصالح الشركات العالمية الكبرى المنتجة لهذه التقنية . وهو عصر مصادر بالكامل لصالح الانظمة العالمية التي تنفق مليارات الدولارات سنوياً لدعم مشاريع الذكاء الاصطناعي حول العالم .  يفرض هذا الواقع على عالمنا العربي شكلاً من اشكال التبعية العلمية والتغريب الثقافي والاستهلاك الاقتصادي. فلكي نحافظ على مجتمعاتنا من ان تتحول الى مجتمعات مستهلِكة للتقنية وبمرور الوقت تتحول الى مجتمعات مستهلكة ( بفتح اللام ) . ولكي نحافظ على النهضة الحسينية من ان تتحول الى مجرد طقوس نمارسها كل عام بينما يغرق واقعنا في كثير من المشاكل والازمات . فإننا بحاجة الى نهضة ثقافية تكون امتداداً لنهضة الحسين عليه السلام بوجود الاصلاح هدفاً مشتركاً بين النهضتين .

تتحقق هذه النهضة الثقافية المعاصرة عن طريق نوعين الجهد : جهد ذاتي ، وجهد مؤسساتي . في الجهد المؤسساتي هناك المؤسسة الثقافية المستقلة ، والمؤسسة الثقافية الرسمية ، والمؤسسة الدينية .

منذ بداية القرن الواحد والعشرين ظهرت دعوات هنا وهناك لفصل الدين عن الدولة في العالم العربي ، كون الدين في عصر التفوق التقني وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ، لم يعد قادراً على تحريك الحياة ومنحها حيوية التطور ، وانه – اي الدين – اصبح تراثاً مقدساً مهماً نعتز به ونحترم الذين يلتزمون به ونحترم طقوسهم على ان لا يتدخل الدين في الحياة المعاصرة وان يتحول الى شأن فردي . هكذا دعوات لها منطلقات عديدة ، احملها على محمل حسن وهو ان الداعين اليها ارادوا ان يقدموا حلولاً واقتراحات تخرج المجتمع العربي من واقعه المتراجع ، وتوفر حلولاً مناسبة لمشاكله المتفاقمة ، فجاءت فكرة فصل الدين عن الدولة ، ولأني اعتقد ان فكرة فصل الدين عن الدولة في العالم العربي المعاصر يمكن ان تغرقه اكثر مما يمكن ان تنقذه لإعتقادي ان المشكلة ليست في الدين او في السياسة ، وانما في الثقافة الدينية ، وفي الثقافة السياسية . فالدين بلا ثقافة لن يتمكن ابداً من طوي صفحة الطائفية .

وبدون ثقافة في السياسة لن تتمكن السلطة الحاكمة من اغلاق ملف المحسوبية والانانية . من اجل هذا اقترحت فكرة فصل الثقافة عن سياسة الدولة وكتبت عنها ، بحيث تتحول المؤسسة الثقافية الرسمية الى جهات تابعة للدولة ، مستقلة عن سياسات الانظمة الحاكمة فيها ، وان منهجها محدد بتمكين المجتمع ثقافياً وفق تشريع يقنن هذا العمل .

يمكن للمؤسسة الثقافية المستقلة والمؤسسة الدينية ان تتكفل بهذا المشروع النهضوي الثقافي ، مستفيدين من تقنيات النشر الالكتروني السريع ومنصات التواصل وقنوات البث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر دعوة الباحثين والمفكرين للاشتغال على الدراسات الانثروبولوجية في الثقافة ، وتحقيق تواصل مع مختلف الجهات المعنية بالثقافة والمجتمع لتوسيع دائرة البحث والدراسة وصولاً الى معالجات حقيقية تلامس الواقع وتطبب جراحه لتنهض به .

اننا في ثقافتنا العربية نفتقر الى خطط مستقبلية ، فنحن لا نملك معطيات واقعية من طبيعة حياة الناس تمكننا من اطلاق توقعات لمشاهد حياة المستقبل ، مثلما تفعل ابحاث التطور العلمي والتقني التي تذهب الى ان العلم ماض في طريق تمكين الآلة بتطبيقات ذكية ستفوق قدرة الف دماغ بشري في حدود 2050 وانه سيتعذر التمييز بين الانسان والحاسوب في 2099 . وتذهب توقعات في مجال الذكاء الاصطناعي الى ان تطبيقات حديثة يجري تطويرها لتتمكن في 2030 من تزييف 90% من الفديوهات المنشورة على شبكة الانترنت . فإذا اخذنا بنظر الاعتبار ان غالبية مستخدمي الانترنت يفضلون المشاهدة والسماع على القراءة ، وان الشباب يعتمدون على الانترنت كمصدر وحيد لمعلوماتهم ، فإننا نصبح امام خطر يتهدد مستقبل ثقافتنا وتراث امتنا وديننا ، فالنظام العالمي الجديد يمضي في طريق انتاج مشروع ثقافي عالمي يصب لصالح عالم الارقام ، عالم المال والاعمال ، عالم تنصهر فيه كل الثقافات في قالب واحد اعدته مصالح القوى الكبرى التي تمتلك التكنلوجيا بما يكفل لمشاريعها الاقتصادية والصناعية استمرارية لا تتوقف ، تصب في زيادة ثراء الشركات الكبرى مع اتاحة الفرص للاخرين بالثراء أياً كانت قومياتهم وثقافاتهم واديانهم ، المهم انها فرص لا تتيح لأحد ان يتفوق على صناع القرار وممولي انتاج التقنية الذكية المتطورة وحكّام العالم ، حتى وان كانت تلك القوى وتلك الاموال لا تكترث لإنسان يموت على يد متطرفين في سوريا ، وطفل يموت جوعاً في فلسطين ، وامرأة تبيت مشردة في العراء بسبب الحرب ، وشيخ يلملم شيبته في مخيمات النازحين ويرجو ميتة تخفف عنه هوانه الذي فرضته سياسات الدول الكبرى وقوى الاحتلال والاستعمار الحديث .

ان رجلاً ( وتراً في الخالدين ) مثل الحسين عليه السلام مات في القرن الهجري الأول ، ولا يزال يعيش في وجدان المسلمين كل هذه السنين ، في اكثر حدث معاصر مثير يشهده العالم في عصر التقنية والذكاء الاصطناعي ، حيث ملايين الأشخاص يأتون من مختلف اصقاع الارض يمشون الى كربلاء ، يحملون آمالهم وآلامهم ، متطلعين الى غد افضل ، لهو افضل ملهم لنهضة ثقافية عربية اسلامية معاصرة تخاطب العقول لتعيد بناء الزمن وتغير النفوس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *