كثر الحديث واللغط حول قانون الحشد الشعبي، بين من يدعو لتشريعه باعتباره ضمانة قانونية لوضع قائم، ومن يرفضه بحجة أنه يكرّس ازدواجية السلطة ويهدد سيادة الدولة. غير أن جوهر المسألة لا يكمن في هذا الانقسام، بل في واقع يجب الإقرار به قبل أي نقاش قانوني أو سياسي، وهو أن الحشد الشعبي كيان موجود وفاعل، ليس بوصفه ظاهرة طارئة أو رد فعل مؤقت، بل بوصفه أحد أبرز تجليات التحول السياسي والاجتماعي والأمني الذي عرفه العراق بعد 2014. ففصائل الحشد موجودة، شئنا أم أبينا، وبعضها كان موجودًا قبل حتى أن يُطلق عليه اسم “الحشد”، وكان حاضنًا لمشاريع مقاومة وتعبيرات أيديولوجية وعقائدية تمتد جذورها إلى ما قبل 2003.
الحشد الشعبي بين الوجود والاعتراف القانوني
وبالتالي فإن النقاش عن الحاجة إلى قانون ليثبت وجود الحشد هو نقاش غير منتج، لأن وجوده الفعلي قد تجاوز مرحلة الحاجة إلى الاعتراف، سواء من خلال مشاركته في الحرب على الإرهاب أو من خلال تشكله كقوة أمنية وعسكرية تحظى بدعم اجتماعي في قطاعات واسعة من المجتمع، ناهيك عن أن الحشد قد أصبح مكونًا بنيويًا من مكونات الدولة نفسها، لا من خارجها فقط. فعلاقاته المؤسسية، امتداداته داخل الوزارات، حضوره في الاقتصاد والسياسة، قدرته على التأثير في القرار، كل ذلك يجعل منه أكثر من مجرد تشكيل مسلح أو قوة رديفة، بل يجعله طرفًا فاعلًا في رسم ملامح العراق الجديد، بعناصر قوته وضعفه على حد سواء.
إن المشكلة الحقيقية لا تتعلق بوجود قانون من عدمه، بل في طبيعة الدولة نفسها، وفي قدرتها أو عجزها عن احتواء مثل هذه القوى ضمن مشروع وطني جامع. فالدولة التي لم تستطع حتى الآن أن تبلور عقيدة أمنية موحدة، أو سياسة دفاعية مستقلة، تجد نفسها أمام تعددية في مراكز القوة، لا الحشد وحده يمثلها، بل هناك أطراف أخرى، رسمية وغير رسمية، داخلية وخارجية، تتنازع على القرار السيادي. وبهذا المعنى فإن الحشد ليس استثناء، بل نتيجة منطقية لحالة التمزق التي تعيشها الدولة العراقية، وتمدد الأدوار الإقليمية على حساب الدور الوطني.
الواقع المعقد للحشد في المشهد السياسي
أما ما يُقال عن ضرورة حل الحشد أو نزع سلاحه وحصره بيد الدولة، فهي شعارات تكررت كثيرًا، خاصة في الخطاب الأميركي، مثل تصريحات ترامب أو غيره من الساسة الغربيين. لكن هذه التصريحات لم تكن موجهة للعراق بقدر ما كانت رسالة لإيران، في سياق الصراع الإقليمي المحتدم، باعتبار الحشد أحد أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة. غير أن هذا التوصيف يبقى تبسيطيًا، لأن الحشد، وإن كانت بعض فصائله مرتبطة بإيران عقائديًا أو سياسيًا، إلا أنه تشكل أيضًا من بيئات اجتماعية محلية، ومن شباب قاتلوا دفاعًا عن مدنهم ومقدساتهم، ولم يكونوا جميعًا مجرد أدوات في لعبة إقليمية. بل إن بعض فصائل الحشد دخلت في مواجهات سياسية مباشرة مع أطراف مقربة من إيران، ما يؤكد أن المشهد أعقد من أن يُختزل في ثنائية “الحشد = إيران”.
وفي ظل هذا التعقيد، يصبح من الوهم تصور أن الحشد سيحل بقرار فوقي، أو أن سلاحه سيُسلَّم ببساطة إلى الدولة، كما لو أن الأمر يتعلق بميليشيا صغيرة يمكن تطويقها. فالحشد بات جزءًا من النسيج الأمني والسياسي والاجتماعي، وأي محاولة للتعامل معه خارج هذا الواقع ستُنتج توترات أكبر، وربما انقسامات خطيرة. ما هو مطلوب ليس حل الحشد، بل إعادة تعريف الدولة نفسها: من يملك القرار؟ من يتحكم بالسلاح؟ ما معنى السيادة في دولة متعددة الولاءات؟ ما معنى أن يكون هناك جيش وحشد وشرطة اتحادية وجهاز مكافحة إرهاب وفصائل مقاومة، كلها تحمل السلاح باسم الوطن؟
إن النقاش القانوني، وإن بدا مهمًا، إلا أنه يغطي على أسئلة أعمق تتعلق بمصير العراق كدولة ومجتمع. فالموضوع أكبر من مجرد تشريع أو عدم تشريع، لأن الحشد لم ينتظر القانون ليكون، بل وُجد حين غابت الدولة، وتمدد حين تراجعت مؤسساتها، وتجذر حين تحولت الطائفية إلى بنية سياسية معترف بها. ولذلك، فإن محاولة تأطيره قانونيًا، من دون رؤية وطنية جامعة وشجاعة، قد تزيد الطين بلة، لأنها ستمنح شرعية شكلية لكيان لم يُحسم الجدل حول موقعه ووظيفته وأولوياته.
إن ما يحتاجه العراق اليوم ليس قانونًا للحشد، بل مشروعًا سياسيًا جديدًا يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، بين السلطة والمجتمع، بين السلاح والسيادة. مشروع يتجاوز ثنائية الحشد والدولة إلى تصور أوسع للعدالة، والمواطنة، والمشاركة، والوطنية الجامعة. لكن للأسف، ما زالت النخب منشغلة بالصراع على القوانين والامتيازات، فيما البلد يتآكل من الداخل، ويُدار بخرائط مصالح خارجية، ويدفع الناس فيه ثمن الفشل الجماعي مرة بعد مرة.
لذلك نقول، لطفًا احترموا عقولنا. لا تجعلونا نصدق أن قانون الحشد هو الحل، أو أنه بداية النهاية للأزمة. فالحقيقة أن ما يجري هو إعادة توزيع للنفوذ داخل الدولة، لا أكثر ولا أقل. أما الوطن، فله رب يحميه، ومواطنون ما زالوا يأملون، رغم كل شيء، أن يكون لهم يومًا دولة بحق.


