نظرية الصراع بين الأفندية والملائية: هل تصلح لتفسير الصراع بين ملوك العراق و رجال الدين؟

نظرية الصراع بين الأفندية والملائية: هل تصلح لتفسير الصراع بين ملوك العراق و رجال الدين؟
يشرح النصّ جذور الصراع بين ملوك العراق ورجال الدين الشيعة، مركزاً على اختلاف التوجّهات بين مشروع الدولة الحديثة المدني وفكر المؤسسة الدينية الشيعية التقليدي، وتبيّن دور التمويل الذاتي والعوامل التاريخية والاجتماعية في استمرار هذا الصراع....

تفرد المفكر الاجتماعي الدكتور (على الوردي) بهذا التفسير لحالة الصراع بين ملوك العراق ورجال الدين الشيعة. إذ أنه يعد هذا الصراع بمثابة أحد مظاهر الصراع بين (الملائية والأفندية)، أو بعبارة أخرى، بين رجال الدين ورجال الدولة. وهذا الصراع ليس جديداً. إذ تمتد جذوره إلى القرن الثامن عشر حينما بدأت بواكير الحضارة الحديثة تصل إلى البلاد الإسلامية. حيث قاوم رجال الدين تلك الحضارة واحتسبوها مخالفة للشريعة الإسلامية، بينما تبناها رجال الدولة، واحتسبوها ضرورية لشعوبهم لكي تتمكن بها من البقاء في معترك الحياة الحديثة.

تحالفات مؤقتة ذات مصالح

ومن الجدير بالذكر، أن الأفندية والملائية في العراق كانوا متحالفين أثناء ثورة العشرين وما بعدها. بيد أن هذا التحالف كان تحالفاً مؤقتاً ليس من شأنه أن يدوم طويلاً لأن كلا الطرفين كان يمتلك اتجاهاً فكرياً معاكس للاتجاه الآخر. وهم حين تحالفوا مدة قصيرة من الزمن، فإن ذلك كان من جراء وجود مصلحة مشتركة بينهم. ولم تكد تلك المصلحة تتفاوت عندما نال الأفندية المناصب التي يطلبونها حتى بدأ الاختلاف يظهر بين الطرفين، وصار يشتد يوماً بعد يوم.

اختلاف مصادر التمويل الديني

واستطرد الدكتور على الوردي قائلاً: أما، لماذا انفرد رجال الدين الشيعة بمعارضة المنظومة الحاكمة في تلك الأيام، بينما سكت زملاؤهم السنة؟ إن ذلك راجع إلى نظام الاجتهاد عند الشيعة. ذلك أن المجتهد الشيعي يعتمد في تمويله على ما يقدم له من مقلديه. لهذا فإنه مضطر إلى مجاراتهم، ويقف إلى جانبهم ضد حكامهم. بينما رجل الدين السني، كان بمثابة موظف حكومي يعتمد على مرتبه الذي يتسلمه من الحكومة. لذلك فإنه مضطر، في أغلب الأحيان، أن يكون مؤيداً للحكومة وإجراءاتها. ويبدو أن هذا التفسير، ينطوي على وجهة نظر يعتد بها في تفسير حالة الصراع الذي حدث بين ملوك العراق الحديث ورجال الدين الشيعة، بيد أنه ليس تفسيراً كافياً لوحده.

ومما تقدم، يتبين أن نظرية (تمذهب الدولة) لا تمتلك الدقة الكافية لأنها تعتمد في مبناها على رصد حالات انتقائية لا تمثل التوجه العام للدولة في العهد الملكي (1921 – 1958). أما (نظرية الإزاحة) فإنها بعيدة جداً عن الواقع لأن رجال الدين الشيعة لم يكن لديهم البديل السياسي لنظام الحكم الملكي في العراق. أما (نظرية الصراع بين الأفندية والملائية) فإنها حملت جانباً واقعياً من تحليل طبيعة المشكلة، بيد أنها لا تفسر المشكلة من جوانبها كافة. ولكي تكتمل الصورة، ويكون التفسير أدق ممكن القول إنه صراع حاد بين نزعتين أساسيتين هما:

الصراع بين النزعتين

أ – يرجح أن يكون الصراع بين المؤسسة الحاكمة والمنظومة الدينية الشيعية ذات صلة بالصراع الذي حدث في السنوات الأولى من العهد الملكي بين الوطنية العراقية والقومية العربية. حيث رفض رجال الدين مسعى الحكومة لتطوير نموذج حداثوي علماني عربي، واحتسبوه بدعةً جاءت بها العناصر الشريفية والضباط العثمانيون السابقون. وراحوا، عوضاً عن ذلك، يشددون على فكرة الهوية العراقية والخصال القبلية العربية. وقد صاغ (على الشرقي) رؤية للوطنية العراقية تعتمد على الطابع القبلي القوي للمجتمع العراقي، والدور التاريخي لقبائل العراق في الحفاظ على الروح الحقيقية للعروبة في البلاد. ودعا إلى بلورة فكرة وطنية تجمع المكونات الاجتماعية كلها بقيم العراق وتراثه. وحاول الشرقي صياغة مفهوم الوطنية العراقية مستلهماً مساعي المصريين لاستخدام ماضيهم الفرعوني كأساس لأسطورة التأسيس.

مشروع نهضوي ملكي مدني

ب – كان ملوك العراق الثلاثة يحملون مشروعاً نهضوياً لبناء الدولة العراقية الحديثة. وإن هذا المشروع كان مشروعاً مدنياً صرفاً، فلسفته السياسية قائمة على الفصل التام بين السياسة والدين مع احترام الأديان كافة، والوقوف منها على مسافة واحدة. ومن هذه المنطلقات الفكرية كانوا متشددين في تطبيق رؤيتهم على العراق مهما كان الثمن، ومهما كانت التداعيات. بحيث لم يتهاونوا في تطبيق هذا المبدأ حتى في إجراءات الدولة البسيطة. وربما يمكن، في ضوء ذلك، تفهم رفضهم تدخل الشيخ مهدي الخالصي في تعيين قائمقام مدينة سامراء، رغم أن المنصب كان منصباً ثانوياً، لكونه يمس فلسفتهم السياسية التي تشدد على الفصل بين الدين والسياسة. لذلك فإن ملوك العراق كانوا على استعداد لخوض الصراع مع رجال الدين الشيعة حالما يتدخلون في الشؤون السياسية وإدارة الدولة، ولم يوافق الملك فيصل الأول على عودة المجتهدين المنفيين إلا بعد تعهدهم بعدم التدخل بالسياسة.

مشروع ديني وطني تحرري

ج – وفي المقابل، كان رجال الدين الشيعة يحملون مشروعاً وطنياً تحررياً، بيد أنه تنقصه الواقعية السياسية، وعدم تفهم متطلبات إدارة الدولة. ويبدو أن فقدان الواقعية السياسية، وعدم تفهم متطلبات إدارة الدولة، كانت من أهم الأسباب التي أدت إلى نشوب الصراع بين ملوك العراق ورجال الدين الشيعة.

ومن هذه المنطلقات، لم يتفهموا أهمية المعاهدة البريطانية – العراقية عام 1922، ولم يتفهموا ضرورة إجراء انتخابات المجلس التأسيسي وما ينتج عنه رغم انها كانت إجراءات لابد منها لإدارة البلاد واستقلالها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *