حين ينهار الاقتصاد بصمت؛ العراق في طريقه إلى كساد تاريخي أسوأ من 1929

حين ينهار الاقتصاد بصمت؛ العراق في طريقه إلى كساد تاريخي أسوأ من 1929
يعاني العراق من كساد اقتصادي عميق ناتج عن فساد مؤسسي، واعتماد ريعي على النفط، وفشل السياسات الاقتصادية، مما أدى إلى بطالة مرتفعة، انهيار الطبقة الوسطى، وتراجع الخدمات، دون حلول إصلاحية حقيقية حتى الآن....

مقدمة

الكساد الاقتصادي ليس ظاهرة عابرة في حياة الأمم، بل هو انعكاس لفشل المنظومات الاقتصادية والإدارية في مواجهة الأزمات أو التكيف مع المتغيرات.

ففي عام 1929، دخل العالم ما يُعرف بالكساد العظيم، وهو أسوأ أزمة اقتصادية شهدها النظام الرأسمالي، في حين يعيش العراق اليوم حالة من الكساد الاقتصادي العميق، تحمل في طياتها ملامح مشابهة وإن اختلفت الأسباب والمآلات.

هذه المقارنة تهدف إلى فهم الجذور المشتركة والخصوصيات المحلية لكل حالة، مع تسليط الضوء على تأثير الأزمة الحالية في العراق على المواطن العراقي، الذي يتحمل عبء الفشل الاقتصادي والسياسي.

أولًا: خلفيات متباينة لأزمات متشابهة في النتائج

نشأ الكساد العظيم في بيئة صناعية متقدمة، اذ كانت الولايات المتحدة تتصدر المشهد الاقتصادي العالمي.

وكان الاقتصاد يقوم على الإنتاج الصناعي والمالي، لكن بفعل المبالغة في المضاربات في سوق الأسهم، وغياب الرقابة على البنوك، وانكماش السياسات النقدية، انفجرت فقاعة اقتصادية قادت إلى انهيار شامل في النظام الاقتصادي.

أما في العراق، فالأزمة الحالية تعود إلى بنية اقتصادية ريعية هشة تعتمد على النفط كمصدر وحيد تقريبًا للإيرادات، في ظل غياب قطاع خاص قوي وفشل في تنويع مصادر الدخل. لقد تعرض العراق لصدمات نفطية متكررة، لكن غياب الإصلاح البنيوي بعد كل صدمة فاقم من هشاشة الاقتصاد، وزاد من اعتماده على الدولة كداعم شبه وحيد لمعيشة الناس من خلال التوظيف العام والدعم الحكومي.

ثانيًا: الأسباب العميقة لكساد العراق

أسباب الكساد في العراق لا ترتبط بعوامل خارجية فقط، بل هي داخلية بالدرجة الأولى. إذ يعاني العراق من:

  • فساد مؤسسي واسع التهم الموارد العامة ومنع التوزيع العادل للثروة.
  • تخبط السياسات الاقتصادية وعدم وجود رؤية استراتيجية واضحة لإدارة الموارد.
  • إهمال القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، مما حوّل الاقتصاد إلى اقتصاد استهلاكي يعتمد على الاستيراد.
  • هشاشة النظام المصرفي والاستثماري، مما أدى إلى عزوف المستثمرين عن الدخول في السوق العراقي.
  • ارتفاع مستويات الدَّين العام والعجز المالي المزمن في الموازنات السنوية.

هذه العوامل خلقت بيئة اقتصادية خانقة جعلت من المواطن العراقي الضحية الأولى، بعد أن بات يواجه أسعارًا مرتفعة، وظائف نادرة، وخدمات حكومية متدهورة.

ثالثًا: التأثير الكارثي على المواطن العراقي

إن المواطن العراقي، وخاصة من الطبقات الوسطى والفقيرة، يدفع اليوم ثمن الكساد الاقتصادي بشكل مباشر. تتجلى هذه الآثار في عدة مظاهر:

  • ارتفاع معدلات البطالة، خصوصًا بين الشباب والخريجين، حيث لا توفر الدولة وظائف كافية، ولا القطاع الخاص قادر على استيعاب العاطلين.
  • تآكل القدرة الشرائية بفعل التضخم وغياب الدعم الحقيقي للسلع والخدمات.
  • تراجع الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والكهرباء، مما يزيد من الفقر واليأس الاجتماعي.
  • انتشار الهجرة الداخلية والخارجية، حيث يفقد المواطن الثقة في إمكانية بناء مستقبل آمن داخل بلاده.
  • انهيار الطبقة الوسطى، والتي كانت تمثل سابقًا صمام أمان اجتماعي واقتصادي، وتحول الكثير من أفرادها إلى فئة فقيرة بالكاد تؤمن احتياجاتها الأساسية.

كل هذه الآثار تعمّق من الشعور باللا جدوى والاحتقان، وتفتح الباب أمام مشكلات اجتماعية وأمنية طويلة الأمد.

رابعًا: كيف تعاملت الحكومات؟

في الولايات المتحدة، أدى الكساد العظيم إلى تغيير جذري في دور الدولة، حيث أطلق الرئيس فرانكلين روزفلت ما عُرف بـ”الصفقة الجديدة” (New Deal)، وهي خطة متكاملة لتوفير فرص العمل، دعم القطاع المصرفي، وتحفيز الإنتاج الزراعي والصناعي. وقد نجحت هذه الخطة تدريجيًا في إعادة الثقة إلى الأسواق وإنعاش الاقتصاد.

أما في العراق، فإن الاستجابة الحكومية ظلت محدودة، تتسم بالترقيع بدل المعالجة الجذرية. فبدل تبني إصلاحات شجاعة، اعتمدت الحكومات على سياسات التوظيف العشوائي والدعم غير المستدام، دون العمل على بناء اقتصاد إنتاجي. بل إن الكثير من “الخطط التنموية” بقيت حبرًا على ورق، تعرقلها البيروقراطية والفساد والتنازع السياسي.

خامسًا: هل من دروس يمكن استخلاصها؟

تُظهر التجربتان أن الخروج من الكساد يتطلب إصلاحًا اقتصاديًا حقيقيًا وشجاعًا، يقوم على ما يلي:

  • بناء اقتصاد متنوع لا يعتمد على مورد واحد.
  • إصلاح النظام الضريبي والمصرفي لخلق بيئة داعمة للأعمال.
  • تعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة في المؤسسات العامة.
  • دعم القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة.
  • إشراك القطاع الخاص في عملية التنمية عبر شراكات حقيقية.

لكن في حالة العراق، فإن كل هذا مشروط بوجود إرادة سياسية وطنية جامعة، تضع مصلحة المواطن فوق الحسابات الفئوية والحزبية.

خاتمة

الكساد ليس مجرد مؤشرات اقتصادية على الورق، بل هو معاناة يومية يعيشها المواطن في سوق العمل، في دكان المواد الغذائية، في طابور الكهرباء، وفي وصفة الطبيب.

وإذا لم يُنظر للأزمة الحالية بوصفها أزمة وجود اقتصادي واجتماعي، فإن تبعاتها قد تكون طويلة الأمد وخطيرة على استقرار الدولة نفسها. إن المقارنة بين الكساد العظيم وكساد العراق ليست مقارنة أكاديمية بقدر ما هي دعوة للاستفاقة، فالتاريخ يعيد نفسه، لكن من لا يتعلم من التاريخ يدفع الثمن مرتين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *