*مقدمة
في عالمٍ تتصاعد فيه أهمية الجغرافيا السياسية لم تعد الصراعات الكبرى بحاجة إلى جبهات ممتدة أو جيوش جرارة بل قد تكفي ممرات ضيقة أو مضائق صغيرة لإشعال فتيل نزاع طويل الأمد. ففي جنوب القوقاز حيث يُجسِّد ممر زنغزور – أو ما يُعرف إعلاميًا بـ”جسر ترامب” – هذا الواقع المعقّد المتمثل بممر حدودي لا يتجاوز طوله 40 كيلومترًا لكنه يحمل في طياته تراكبًا حساسًا من الطموحات الجيوسياسية والتحالفات الخفية والهواجس الأمنية العميقة وخصوصًا بالنسبة لإيران التي تجد نفسها أمام تحدٍّ استراتيجي يتجاوز بكثير ما يوحي به حجم الطريق أو امتداده.
* تعريف الممر وأهميته الجيوسياسية
يقع ممر زنغزور في محافظة سيونيك الأرمنية ويمر عبر منطقة تاريخية كانت تعرف بـ”زنغزور” ليربط أذربيجان بـ”نخجوان” الجيب الأذري المحصور بين أرمينيا وتركيا. منذ نهاية حرب ناغورنو قره باغ الثانية عام 2020 تطالب باكو بفتح هذا الممر وتُصرّ على كونه “حقًا استراتيجيًا” يربط أراضيها ببعضها البعض.لكن المشروع تحول سريعًا إلى أزمة إقليمية تتجاوز النزاع الثنائي الأرميني-الأذري ليشعل تنافسًا دوليًا يضم تركيا و روسيا و الولايات المتحدة والأهم: إيران التي تعتبر هذا الممر تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لأمنها القومي.
* إيران في زاوية التهديد الجغرافي
لطالما اعتمدت إيران على ممرها الحدودي الضيق مع أرمينيا الممتد لنحو 45 كلم كنافذة حيوية على أوروبا والقوقاز. لكن إنشاء ممر زنغزور دون إشراف أرمني مباشر يعني أمرين خطيرين من منظور طهران:
- فصل إيران عن أرمينيا وبالتالي تقليص عدد جيرانها وعزلها بريًا عن الفضاء الأوروبي والروسي.
- اختراق جغرافي تركي – أطلسي مباشر على حدودها الشمالية الغربية مما يهدد التوازن الديمغرافي والسياسي في مناطقها ذات الغالبية الأذرية (قرابة 25% من سكان إيران).
- ويمثّل الممر تهديدًا مباشرًا لوحدة إيران الداخلية إذ يُخشى أن يُسهم في تأجيج النزعة الانفصالية لدى الأقلية الأذرية داخل إيران والتي يفوق عددها سكان جمهورية أذربيجان نفسها. فمع تعاظم النفوذ الأذربيجاني المدعوم تركيًا وتنامي الخطاب القومي العابر للحدود تبدو طهران أمام معضلة استراتيجية تمسّ نسيجها الوطني ووحدة أراضيها.
- لم تُخفِ طهران رفضها القاطع لمشروع ممر زنغزور واعتبرته مرارًا بمثابة مشروع أطلسي-طوراني يستهدف تطويقها عبر بوابة جنوب القوقاز ويهيّئ الأرضية لتمدد نفوذ ثلاثي تركي–إسرائيلي–أمريكي على حدودها الشمالية الحساسة. وقد بلغ مستوى القلق الإيراني حد التهديد العلني باتخاذ ردّ عسكري حازم في حال تم تنفيذ المشروع دون التنسيق أو الموافقة المسبقة من جانبها.
*الرؤية الإيرانية الأمنية والعسكرية لممر زنغزور
تنظر إيران إلى مشروع ممر زنغزور من زاوية أمنية–عسكرية باعتباره ثغرة استراتيجية خطيرة تقع في خاصرتها الشمالية الغربية حيث تتقاطع فيها الحدود مع أذربيجان وأرمينيا وتركيا. وتُبدي طهران مخاوف متصاعدة من أن يتحوّل هذا الممر إلى قاعدة متقدمة لأطراف غير ودّية – كتركيا أو الولايات المتحدة أو حتى قوات تابعة لحلف الناتو – بما يُهدد توازن الردع الإقليمي. ومن أبرز ما تراه إيران في هذا السياق:
- تهديد استخباراتي دائم نتيجة التنصت والمراقبة القريبة للأنشطة العسكرية والنووية الإيرانية في الشمال.
- منصة لوجستية محتملة لنقل قوات أو معدات من قبل خصومها خاصة إسرائيل مما يُعيد للأذهان سيناريوهات تطويق قديمة.
- ثغرة في الحزام الأمني الإيراني الممتد من القوقاز إلى الهلال الشيعي في العراق وسوريا ولبنان.
- وسيلة حصار جغرافي واقتصادي تضرب العمق الإيراني وتعرّض الجبهة الشمالية الغربية لضغوط غير مسبوقة.
وقد عبّر القادة السياسيين الإيرانيين عن هذه الرؤية بوضوح حين وصفوا الممر بأنه “محاولة لإعادة إنتاج مؤامرات سابقة” مؤكدين أن أي محاولة لفرض تغيير في الحدود الشمالية لإيران ستُقابل بـرد قاسٍ في تلويح صريح بإمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري إذا ما اقتضى الأمر.
* الممر كأداة لتطويق إيران استراتيجياً
يُعد مشروع زنغزور امتدادًا لمشروع جيوسياسي تركي أكبر يستهدف “توحيد العالم التركي” من الأناضول إلى آسيا الوسطى وهو ما يعزز التعاون التركي-الأذري-الكازاخي-الأوزبكي ضمن رؤية تُعارضها إيران تاريخيًا.
وتخشى طهران أن يؤدي المشروع إلى:
- تمكين شبكة اقتصادية ومواصلاتية بديلة تستثني إيران من طرق التجارة والطاقة.
- تعزيز المشاعر القومية لدى الأقلية الأذرية في إيران (التي يزيد عددها على سكان أذربيجان نفسها) في لحظة حساسة تمر بها البلاد داخليًا.
- تثبيت موطئ قدم أمريكي أو أطلسي على حدودها كما اقترح مسؤولون أمريكيون بشكل صريح بإدارة الطريق لمدة 100 عام.
*الدور الروسي: هل غدرت موسكو بطهران؟
أثارت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أذربيجان ولقاؤه بإلهام علييف قلقًا متزايدًا في طهران خاصة بعد إعلان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دعم موسكو للتسريع في توقيع اتفاق سلام بين باكو ويريفان وفتح الاتصالات محمّلًا الحكومة الأرمينية مسؤولية العرقلة.
تصريحات لافروف أعادت ممر زنغزور إلى الواجهة وسط غموض بشأن ما تم الاتفاق عليه بين بوتين وعلييف ما أثار تساؤلات إيرانية جدية: هل بدأت روسيا بإعادة ترتيب مصالحها على حساب طهران؟
* الخيارات الإيرانية المحتملة
حتى الآن اكتفت إيران بإجراءات دبلوماسية وتحذيرات علنية معززة برسائل غير مباشرة عبر المناورات العسكرية قرب الحدود مع أرمينيا والتقارب التكتيكي مع روسيا لفرملة المشروع.
لكن في حال تجاهلت الأطراف الأخرى (وخاصة أذربيجان وتركيا) الخطوط الحمراء الإيرانية فإن طهران قد تلجأ إلى:
- تحريك فصائل حليفة في جنوب القوقاز.
- تصعيد عسكري محدود قرب الحدود مع نخجوان.
- إثارة الفوضى الأمنية في مناطق الأقليات الأذرية داخل إيران ضمن استراتيجية “الهجوم الوقائي”.
*الخاتمة
40 كيلومترًا قد تشعل حربًا إقليمية تهدد جبهة إيران الشمالية . فابرغم من صغر حجمه الجغرافي يمثل ممر زنغزور او مايسمى بجسر ترامب واحدًا من أخطر المفاصل الجيوسياسية في أوراسيا اليوم. إذ يقف على تقاطع نزاعات تاريخية بين أذربيجان وأرمينيا وصراعات النفوذ بين تركيا وروسيا وبين أمريكا وإيران.
أما إيران التي تشعر بأن العالم يضيق من حولها فترى في هذا الممر تهديدًا مزدوجًا:
- جيوسياسيًا يعزلها .
- أيديولوجيًا يحيي القومية الطورانية على حساب نفوذها.
في منطقة مشبعة بالسلاح والعقائد والقلق قد يكون ممر زنغزور أقصر طريق نحو حربٍ جديدة أو اختبارًا قاسيًا لقدرة إيران على حماية مجالها الحيوي في مواجهة مشاريع إقليمية كبرى لا تعرف طريق العودة.


