في العراق الذي يُراد له أن يبقى أسير التبعية، والفساد، والمحاصصة، ما برح الحديث السياسي يدور في فلك اللاوعي، محكوماً بانفعالات اللحظة ومشدوداً إلى هبات العاطفة الجماعية التي تتبدل بتبدل المشهد أو أسماء الساسة. خطاب لم يتحرر بعد من أسر الانفعال، ولم يبلغ نضج العقل النقدي الذي يفرز الحقيقة من الوهم.
لا أسعى لأن أبدو مثالياً، لكن لم أثق بهذا النظام وبتعاقب السنوات لحظة واحدة، ولم أكتب منشوراً واحداً في صفحتي أمتدح فيه أداءه أو أُعول عليه في إنقاذ العراق، بعدما راجعت بدقة ما حصل بعد الغزو الأميركي من تفكيك للدولة وتدمير معالم اقتصادها وتسليمها للجهلة واللصوص، ولو كانت حقاً الولايات المتحدة تسعى إلى عراق ديمقراطي ناهض لكنا الآن في وضع مختلف.
النظام السياسي القائم
سنوات مضت ونحن ( مجموعة من العراقيين المنصفين) نردد يا ناس يا عالم أن النظام السياسي القائم لا يحمل مشروعاً وطنياً حقيقياً، وأنه نظام معطوب قائم على المحاصصة، مفصل على مقاس التبعية والارتهان الخارجي وأن ما يسمى بدستور العراق لا علاقة له بالعراق، وينسف هُوية العراق ويشجع على الاقلمة. ومع ذلك، ما زال البعض يرى في هذا النقد نوعاً من التشاؤم أو المبالغة، إما لأنه مستفيد من هذا النظام أو لا يمتلك الوعي اللازم لقراءة المشهد.
ومن هذا الباب، كانوا هؤلاء يرون في انتفاضة تشرين 2019 وما تلاها مؤامرة تستهدف نظاماً سياسياً وطنياً وعادلاً، لكن المفارقة أن هؤلاء أنفسهم سرعان ما تبدلت مواقفهم وهم يرون التابع الحقيقي للسفارات، وها هم اليوم بين مختبئ خلف صمته، وبين شاتم ناقم، يسير وراء عواطفه المتقلبة في كل شهر وفصل.
خذ مثلاً: قبل أشهر قليلة فقط، كان الخطاب العام مشيداً برئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، وكان يُصوَّر كمن يقود البلاد إلى “طفرة نوعية” نحو النهضة. ثم فجأة، وبلا مقدمات عميقة بعد موقف الأخير (تُجاه الجولاني، وخور عبد الله)، انقلبت هذه الجماهير نفسها، لتكتشف (متأخرة كالعادة ومناقضة لمواقفها السابقة) أنه ليس إلا امتدادا لنفس النظام الفاشل ولنفس الإرادة الخارجية التي تُدير المسرح السياسي في العراق منذ 2003.
هذه التحولات المزاجية المتكررة ليست سوى مرآة لثغرة عميقة في الوعي السياسي العراقي العام. ما الذي يحتاجه العراقي بعد، ليدرك أن هذه المنظومة، التي شُيدت بقرار أميركي وخاضعة من الغرب لسلطة إيران، ومن الشمال لسلطة تركيا ومن الجنوب للكويت، و لا تملك من مقومات الدولة إلا القشرة، ولا تسعى إلا لتدوير نفس الوجوه ضمن حلقة مفرغة من التبعية، والفساد ، وتدمير المؤسسات، والاقتصاد ؟
الفساد في العراق
إن الفساد في العراق لم يعد عرضاً طارئاً بل أصبح بنية قائمة، بلغة القانون مشرعن، وبلغة الأخلاق متماهٍ مع السلوك العام. وفي الحقيقة، ليس ثمة شعب تصالح ويتصالح مع فساد ساسته وتماهى معهم كما فعل ويفعل العراقيون، إما بسبب الخوف، أو بسبب فقدان الأمل، أو بسبب التطبيع مع المشهد والاكتفاء بملذات المطاعم، والمقاهي والدلفري ، والمولات، والسيلفي مع بناية البنك المركزي.
حين اندلعت شرارة انتفاضة تشرين التي كانت بمثابة فرصة لكسر الطوق، و رأينا فيها بارقة أمل، وصرخة وطنية تتحدى هذا الانحدار، و محاولة جادة لاقتلاع منظومة الفساد التي امتصت ثروات البلاد. لكنها، للأسف، وُوجهت بالعنف والخذلان والتهم الرخيصة قبل أن تُخترق، لأن قلب المعادلة السياسية في العراق يعني بتر التبعية ودفن المحاصصة وهدر الثروات وهذا ما لا تريده أي دولة تحلم بأن يقدم لها النظام الحالي كل هذه الامتيازات المجانية على حساب ثروات الأجيال العراقية.
لا أعرف متى يتحرر شعبنا من الأغلال التي كُبّل بها، ولا متى يعي أن هذا النظام السياسي لم يُبنَ له، بل فُرض عليه فرضاً ليبقيه مشلول الإرادة، تائهاً بين فخاخ تُنصب له كل أسبوع، تحت أخبار وتسجيلات، وشعارات ، وكذب وتعطيل كامل للوعي الثوري. أما آن لهذا الشعب أن يدرك أن نظاماً تأسس على المحاصصة والتبعية لا يُنتج إلا الخراب؟مليارات مهدورة على قطاع الكهرباء بلا فائدة، بنى تحتية منهارة، و مؤسسات خاوية، ومحاصصة قاتلة، وتلوث يجتاح الأرض، ومشاكل تلد أخرى.
أقول: العراقي الحُر الصادق، لا يعول على هذا وذاك، ولا تؤثر فيه لعبة تبدل الأسماء والوجوه، لأنه يحمل في داخله بوصلة من المبادئ الراسخة، تؤمن بأن هذا النظام السياسي معطوب في جوهره وصممته أميركا بطريقة لا تسمح له بالانفكاك من شرك التبعية والفساد الضارب، وأن الرهان عليه ضربٌ من العبث.
نعم العراقي الواعي سياسياً ، يسير على هذا الخط بثبات، لا يميل مع كل ريح، ولا يغير موقفه تحت ضغط الشعارات أو وهج اللحظة.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين العراقي الذي تحكمه العاطفة، وبين العراقي الواقعي، و يفهم مايدور في هذا البلد، مدركاً أن المنظومة السياسية، بصيغتها الحالية، ليست سوى أداة لإعادة إنتاج الفساد والتبعية، وأن التغيير الحقيقي يكمن في إعادة تشكيل البنية المُختلة من جذورها.


