الحشد الشعبي في مرمى الاستعمار الناعم قراءة في تقرير التضليل البريطاني

الحشد الشعبي في مرمى الاستعمار الناعم قراءة في تقرير التضليل البريطاني
يسعى التقرير البريطاني إلى تشويه صورة الحشد الشعبي وتقديم سردية منحازة تُقسّم العراق طائفيًا، متجاهلًا جرائم الاحتلال ومقاومة داعش، ومروّجًا لإقليم كردستان كمنطقة نموذجية، في إطار استراتيجية ناعمة لإعادة النفوذ الغربي....

في يونيو/حزيران من العام 2025، أصدرت وزارة الداخلية البريطانية تقريرًا داخليًا تضمن ما وصفته بتقييم للوضع السياسي والإنساني في العراق. وعلى الرغم من الغلاف الظاهري للتقرير، الذي يوحي بأنه مخصص لأغراض لجوء أو تقييمات أمنية فإن مضمونه يكشف عن نوايا تتجاوز المسائل الإدارية أو الحقوقية، لتدخل في عمق لعبة النفوذ والتوجيه السياسي، وفق منطق استعماري قديم يرتدي ثيابًا حديثة. فمن خلال تفكيك هذا التقرير يتضح أن وزارة الداخلية البريطانية تسعى عبر أدواتها الناعمة إلى إعادة تشكيل الوعي الدولي تجاه العراق بطريقة منحازة ومسيّسة، لا تخدم الحقيقة، بل تخدم مشاريع التقسيم وإعادة الهيمنة وتهميش القوى الوطنية الشيعية ودورها .

التقرير الذي فُرض عليه طابع الضبابية، وتعمّد عدم الاتكاء على مصادر علمية موثوقة، يستند إلى مقالات صحفية ومزاعم غير موثقة ويقدّم سردية خطيرة تقوم على تفكيك البنية الوطنية العراقية إلى فئات متصارعةو أقليات دينية مستضعفة، سنّة مهمشون، بعثيون مظلومون، وقوة عسكرية شيعية توصف بأنها “خارجة عن السيطرة وفاسدة”، في إشارة صريحة إلى الحشد الشعبي. هذا النمط من التقارير لا يكتفي بتقديم المعلومات، بل يصوغ واقعًا مصطنعًا موجهًا بدقة نحو إنتاج صورة مشوهة للحشد ووضعه في قفص الاتهام السياسي والأخلاقي والدولي، تمهيدًا لنزع شرعيته، والتشكيك في وجوده، رغم كونه جزءًا من المنظومة الأمنية العراقية بقانون نافذ وموقع رسمي.

إن تجريد الحشد الشعبي من هويته القانونية وتصويره كقوة طائفية موجهة ضد الأقليات، هو في حقيقته امتداد طبيعي للخطاب الصهيوني –الغربي المشترك، الذي يسعى إلى ضرب أي قوة شعبية تتجاوز حدود السيطرة الأمريكية والبريطانية. وفي الوقت نفسه، يتجاهل التقرير عمدًا كل الشهادات والوقائع التي تثبت أن الحشد كان هو السدّ الوطني الذي وقف بوجه الزحف الداعشي الإرهابي، حينما غابت أو تفككت المؤسسات الرسمية في اللحظة الحاسمة.

الوثيقة البريطانية

وبينما تُغدق الوثيقة البريطانية في سرد مشاعر التعاطف مع المكونات الدينية والقومية فإنها تمارس تحريفًا ممنهجًا للتاريخ والوقائع بتبييض صفحة البعث وتقديم العرب السنّة كضحايا دائمين دون أي إشارة إلى الجرائم التي ارتكبتها الجماعات المتطرفة في المناطق الغربية أو إلى الدعم المجتمعي الذي حصلت عليه تلك الجماعات في فترات حرجة. التقرير يغضّ الطرف كذلك عن جرائم الاحتلال البريطاني والأمريكي وينزع أي مسؤولية أخلاقية أو قانونية عن الدول التي مزّقت العراق تحت شعار الديمقراطية ثم تركته فريسة للخراب.

أما المفارقة الصارخة فهي رسم إقليم كردستان بصورة مثالية وكأن لا انتهاكات فيه، ولا استفراد بالسلطة، ولا تضييق على المعارضة، ولا احتكار اقتصادي. هذه الصورة الانتقائية تكشف عمق التوظيف السياسي الذي يُراد من خلاله الإيحاء بأن “المنطقة الآمنة” الوحيدة في العراق هي تلك المتناغمة مع سياسات الغرب بينما تُشيطن باقي الجغرافيا خصوصًا الوسط والجنوب، حيث النفوذ الشعبي الشيعي. إنها محاولة قديمة جديدة لإعادة إنتاج سردية “العراق غير القابل للحكم” والممهد لإعادة تدويل قضاياه عبر بوابات اللجوء والمظلومية، والأقليات.

إن ما قامت به وزارة الداخلية البريطانية لا يمكن قراءته خارج إطار حرب ناعمة تُستخدم فيها الوثائق الإدارية كأدوات لشرعنة التدخل وبناء تصوّرات منحازة يتم تسويقها للمجتمع الدولي على أنها “معلومات رسمية”. وفي حقيقة الأمر، فإن هذه الوثيقة تمثل محاولة لشيطنة المقاومة وإضعاف السيادة وإعادة بناء المجتمع العراقي على أسس طائفية وعرقية تبرر التدخل وتقسم النفوذ.

إن الدفاع عن العراق اليوم لا يمر فقط من خلال سلاح الميدان بل من خلال المعركة على الحقيقة، والمعركة ضد التضليل المتعمد الذي تتبناه بعض الحكومات الغربية تحت ستار الشفافية والإنسانية. إن الحشد الشعبي، الذي يُراد له أن يتحول إلى كبش فداء في تقارير مشبوهة، سيبقى جزءًا من معادلة الاستقلال والكرامة، وسيبقى في نظر العراقيين هو التعبير الصادق عن لحظة النهوض الوطني بعد سنوات من الانكسار. أما التقرير، فسيبقى وثيقة أخرى تُضاف إلى أرشيف التدخل البريطاني الذي لم يغادر العراق فعليًا منذ الاحتلال الأول، بل غيّر أدواته فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *