يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ولايته الجديدة، قد عاد إلى نهجه التصادمي ذاته في التعامل مع الصين، مدفوعا بنزعة قومية اقتصادية تزداد وضوحا في سياساته تجاه بكين منذ بداية ولايته الحالية. فبعد أشهر قليلة من تصعيده الحاد في ملف الرسوم الجمركية، عاد ترامب ليطلق تصريحات هجومية تجاه الصين، ملوحا بإجراءات إضافية تستهدف الواردات الصينية، في خطوة تنذر بمزيد من التوتر في العلاقات الاقتصادية بين القوتين الأعظم في العالم.
المحادثات التي جرت مؤخرا بين الوفدين الأمريكي والصيني في جنيف لم تكن كافية لتبديد الشكوك المتراكمة. وعلى الرغم من الإعلان المتفائل الذي صدر عن ترامب عقب اللقاء، والذي بدا كمن يتحدث عن إنجاز دبلوماسي حاسم، فإن الواقع ظل مغايرا تماما. فقد ألمح الرئيس الأمريكي إلى احتمال استئناف سياسة المواجهة التجارية، زاعما بطريقته المعهودة التي تجمع بين المبالغة والاستعراض الإعلامي، أنه “أنقذ الاقتصاد الصيني من كارثة محققة”، وهي عبارة أثارت سخرية عدد من المراقبين، ليس فقط لافتقارها إلى الدقة، بل لأنها تتجاهل أبسط المعايير في قراءة المؤشرات الاقتصادية للصين.
وفقا لترامب، فإن بكين كانت قاب قوسين أو أدنى من أزمة اقتصادية خانقة، ترافقت مع إغلاق واسع للمصانع وتنام في التململ الشعبي. إلا أن هذه المزاعم لا تستند إلى مصادر موثوقة، ولم ترد أي تقارير معتبرة تؤكد حدوث مثل هذا الانهيار في الصين. بل إن التحليلات الاقتصادية تشير إلى أن الاقتصاد الصيني، رغم التحديات، لا يزال يحافظ على وتيرة نمو متوسطة، وأن أثر الرسوم الجمركية لا يمكن أن يتجلى بهذه السرعة. ومن هنا، يمكن قراءة تصريحات ترامب بوصفها امتداداً لأسلوبه السياسي القائم على خلق صور درامية للمشهد العالمي، وتقديم نفسه كصانع أزمات وحلول في آن واحد.
لكن جوهر الأزمة لا يكمن في هذه التصريحات فحسب، بل في البنية الصلبة للنزاع الجاري. فكما أشار جيميسون جريير، كبير المفاوضين الأمريكيين مع الصين، فإن العقبة الحقيقية تتمثل في القيود التي ما تزال بكين تفرضها على تصدير المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة. هذه المواد تشكل العمود الفقري لصناعات التكنولوجيا المتقدمة، من إنتاج الرقائق والمعالجات الدقيقة إلى تطوير المعدات الإلكترونية الحساسة. وتأتي هذه القيود الصينية كرد مباشر على الحظر الأمريكي المستمر على تصدير الرقائق الدقيقة إلى الصين، خاصة تلك المصنعة من قبل شركات عملاقة مثل “إنفيديا”، والتي تعتبر رمزا لتفوق الولايات المتحدة في مضمار التقنية.
تشابك جيوسياسي اقتصادي
إن المعضلة الحقيقية هنا لا ترتبط فقط بعجز المحادثات الثنائية عن تحقيق اختراق حاسم، بل بتشابك المسارات الجيوسياسية والاقتصادية في سياق صراع استراتيجي أوسع. فالمواجهة بين واشنطن وبكين لم تعد مجرد سجال تجاري مؤقت، بل باتت صراعا على القيادة العالمية في مجال التكنولوجيا المتقدمة والسيادة الصناعية. ولهذا، فإن التوقعات بشأن تحولات جذرية أو تسويات سريعة تظل في إطار التفاؤل غير الواقعي، حتى مع الإعلان عن مكالمة هاتفية مرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، وهي خطوة تقرأ أكثر كجهد لاحتواء التصعيد لا لإنهائه.
إعادة ترسيم موازين القوى العالمية
إن ما تشهده الساحة الدولية اليوم هو إعادة ترسيم لموازين القوى العالمية، تدفع فيها الولايات المتحدة والصين بكل ثقلهما نحو إثبات الجدارة بقيادة النظام الاقتصادي والتكنولوجي المقبل. وبينما تسعى واشنطن إلى كبح الصعود الصيني عبر أدوات الضغط الاقتصادي والتقييد التكنولوجي، تعتمد بكين سياسة النفس الطويل، وتستثمر في تعزيز استقلالها الصناعي والتقني. أما التصريحات الصاخبة، فهي رغم جاذبيتها الإعلامية، لا تعكس إلا سطح المشهد، أما الواقع فينبئ بتغيرات بطيئة ولكنها حاسمة، لن تحسم بالخطابات ولا بالاجتماعات الطارئة وتشكيل اللجان، بل في ميادين الابتكار، والتحكم بسلاسل الإمداد، وامتلاك مفاتيح المستقبل، فهل من جهة في منطقتنا تعي وتدرك ما يجري على المسرح الدولي وتتعامل معه بجدية؟


