أزمة جديدة.. وفشل دبلوماسي متراكم
يعود إقدام تركيا على الغاء اتفاقية تصدير النفط العراق الى “تقاعس للدبلوماسية العراقية وفشلها طوال السنوات الأخيرة دون خوض مفاوضات جادة مع أنقرة بعيداً عن الزيارات البروتوكولية والمجاملات السياسية”، مشيراً الى أن “أنقرة تتوقع خضوع بغداد لطلباتها، لكن هذا يعتمد على طبيعة وجدية وقوة حجة المفاوض العراقي والأوراق المتاحة للمناورة، سياسياً واقتصادياً”.
فيما يتعلق بتأثير القرار التركي على إقليم كوردستان، إن قرار أنقرة سيجبر بغداد على إعادة التفاوض مع أربيل على كل شيء، لأن الوضع الاقتصادي والسياسي عراقياً لا يبشر بخير، وهذا سيفاقم الأزمة المالية على إقليم كوردستان في حال تعنّتت أربيل بقبول اتفاق براغماتي مع بغداد إلى حين إيجاد البدائل
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد وقع يوم الاثنين قراراً يقضي بإنهاء اتفاقية خط أنابيب نقل النفط الخام بين بلاده والعراق، اعتباراً من تموز 2026.
لذلك اقترح عدة نقاط للرد العراقي على تركيا، أبرزها: “اعتماد العراق على فريق سياسي اقتصادي للتفاوض شرط أن يتمتع برؤية ثاقبة ومعرفة بحيثيات الوضع الاقتصادي والسياسي العالمي، مدعوماً من جميع الكتل السياسية للتفاوض على جميع الملفات بما فيها النفط والمياه ومستقبل التجارة وميزان التعرفة وفرص تركيا في العراق بمجال الاستثمارات والإعمار والصناعة والزراعة وطريق التنمية كحوافز”.
لم يكن الغاء الاتفاقية بالخبر المفاجئ، وإن عُد الإلغاء من طرف واحد إهانة للعراق وبيان فشل العلاقات العراقية التركية، بقدر ما نراه تقاعساً لدبلوماسية العراقية وفشلها طوال السنوات الأخيرة دون خوض مفاوضات جادة مع أنقرة بعيداً عن الزيارات البروتوكولية والمجاملات السياسية.
ان تركيا في وضع مالي واقتصادي حرج وهي تعرف جيداً أن العراق في وضع سياسي معقد وأكثر صعوبة وخياراته محدودة (من وجهة نظرها) لذا هي الآن تدفع بغداد بصورة غير مباشرة إلى التفاوض هذه المرة لوضع اتفاقية جديدة تزيد من رسوم تركيا المتعلقة بنقل النفط عبر أراضيها وتعمل على أن يدفع العراق التعويضات التي دفعتها تركيا وتنازل العراق عن القضايا القانونية التي كسبها في المحاكم الدولية بالاضافة الى أنها قد تضغط لربط الاتفاقية الجديدة باتفاقية مياه وأخرى تجارية تصب لصالحها.
تركيا درست تركيبة النفسية العراقية الحاكمة للنظام الحالي في العراق، وتعتقد أنها بدائية في التفكير وغير قادرة على اتخاذ قرارات شجاعة قد تكلف أنقرة كثيراً، خصوصاً وأن علاقات تركيا أكثر سيطرة على ساسة السنة العرب والتركمان وإقليم كوردستان، إضافة إلى نفوذهم العسكري في شمال العراق، لذا هي تتحدث وتتخذ قرارات من موقع القوة التي تظنه، علماً أن الميزان التجاري بين البلدين يتجاوز الـ 20 مليار دولار وهو لصالحها، فضلاً عن حجم السياحة العراقية في تركيا واستثمارات العراقيين في قطاع العقارات التركية.
وأنقرة تتوقع خضوع بغداد لطلباتها، لكن هذا يعتمد على طبيعة وجدية وقوة حجة المفاوض العراقي والأوراق المتاحة للمناورة، سياسياً واقتصادياً.
الخيارات العراقية: بين التصعيد والحلول العملية
قد توجد بدائل لتسويق النفط العراقي من اقليم كوردستان وذلك من خلال موانئ الجنوب العراقي، شرط تطوير شبكة الأنابيب العراقية لإيصال هذه النفوط إلى موانئ الجنوب، علماً أن الطاقة التصديرية الجنوبية كبيرة وتستوعب الطاقة الانتاجية في الاقليم، كما يستطيع العراق تقليل كلفة النقل والتسويق التي تُكلّف النفوط المنتجة شمالاً بحدود 20 دولار للبرميل الواحد إلى نصف دولار للبرميل الواحد، كما الحال في كلفة تصدير نفط البصرة، لكن شبكة الأنابيب تحتاج إلى فترة 18 الى 24 شهراً لتطويرها وتفعيلها.
وبالتالي قرار أنقرة سيجبر بغداد على إعادة التفاوض مع أربيل على كل شيء، لأن الوضع الاقتصادي والسياسي عراقياً لا يبشر بخير، وهذا سيفاقم الأزمة المالية على إقليم كوردستان في حال تعنّتت أربيل بقبول اتفاق براغماتي مع بغداد إلى حين إيجاد البدائل، لأن عقد اتفاق تركي عراقي من موضع ضعف بغداد لن ينفع إقليم كوردستان، بل حتى العراق الاتحادي على المدى المتوسط والبعيد.
و لن تستطيع حكومة اقليم كوردستان العراق عقد اتفاقيات ثنائية مع أنقرة بمعزل عن الحكومة الاتحادية العراقية لأنها تفتقر للوضع القانوني والقرار السيادي المستقل، وقد فعلت حكومة الإقليم سابقاً وخسرت جميع الأطراف في المحاكم الدولية أمام الدعاوى التي رفعها العراق.
ولا أستطيع تخمين طبيعة الرد العراقي الحالي وخصوصاً نحن في أجواء انتخابية لحكومة مغادرة وبيئة تعمّها الشعارات الشعبوية قد توظّف الأزمة سياسياً على المستوى الداخلي لصالح الأحزاب المتنافسة، لكن ستبعث بغداد بوفود ربما لطلب التريّث في إنفاذ قرار أنقرة إلى حين التوصل إلى اتفاقية جديدة.
يجب أن يعمل العراق على عدة مستويات بغض النظر توصل أم لم يتوصل لاتفاقية جديدة، ويخطط لأسوأ سيناريو دون الخضوع لضغوط سياسية:
1- اعتماد فريق سياسي – اقتصادي للتفاوض شرط أن يتمتع برؤية ثاقبة ومعرفة بحيثيات الوضع الاقتصادي والسياسي العالمي، مدعوماً من جميع الكتل السياسية للتفاوض على جميع الملفات بما فيها النفط والمياه ومستقبل التجارة وميزان التعرفة وفرص تركيا في العراق بمجال الاستثمارات والإعمار والصناعة والزراعة وطريق التنمية كحوافز.
2- قيام وزارة النفط وبشكل عاجل بالتخطيط في تطوير خطوط نقل النفط من إقليم كوردستان العراق وربطها بشبكة الأنابيب الوطنية لتصدير الفائض من الموانئ الجنوبية واستخدام أغلب الإنتاج الشمالي في المصافي العراقية.
3- قيام وزارة الموارد المائية باتخاذ الإجراءات اللازمة لإيجاد البدائل والحلول في حال لم تصل بغداد إلى حل مرض للطرفين مع أنقرة، وقامت الأخيرة باستخدام حصة العراق المائية كورقة ضغط. كل الأنظار تتجه لطبيعة الفريق العراقي المفاوض وحجته في إقناع الطرف التركي.


