الفراغ يحكم إقليم كردستان

الفراغ يحكم إقليم كردستان
يشهد إقليم كردستان فراغًا سياسيًا ومؤسساتيًا شاملًا، مع برلمان معطل وحكومة غير مكتملة، وغياب للدستور والشفافية، وانقسام أمني خطير، مما يهدد بانهيار الكيان السياسي الداخلي للإقليم ويقوّض تجربة الحكم الذاتي الكردي....

في لحظة مشحونة بالغضب الشعبي، حين تصرخ العوائل الكردية مطالبة برواتبها المؤجلة، وحين ينكمش الحلم الكردي في حدوده الجغرافية والسياسية، تتبدل لهجة الخطاب على وسائل التواصل الاجتماعي فجأة من النقمة على الأداء السياسي إلى أحاديث العشائر و”عنتريات الحشود”. لكن خلف هذا التبدل الظاهري يكمن واقع أكثر فجاجة: إقليم كردستان يترنّح اليوم تحت وطأة فراغ شامل يطال البرلمان والحكومة، ويهدد بقاء الكيان السياسي الذي بُني منذ أكثر من ثلاثة عقود على أمل أن يكون “نموذجاً متقدماً” في العراق ما بعد 2003.

برلمان معطل وحكومة غائبة

الإقليم بلا برلمان فعّال منذ ما يقارب ثلاث سنوات. ورغم إجراء الانتخابات في أكتوبر 2024، لم تنجح الأحزاب الكردية الكبرى -ولا سيما الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني- في تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات، بسبب صراع عميق على تقاسم المناصب الوزارية، حتى داخل البيت الحزبي الواحد.

السلطتان التشريعية والتنفيذية عالقتان في منطقة رمادية من “اللاحسم”، فيما تستمر الحياة السياسية على وقع الاتفاقات الثنائية وتفاهمات المصالح، دون غطاء دستوري حقيقي.

غياب دستور.. وانعدام الشفافية

منذ 34 عاما، لم يتمكن الإقليم من صياغة دستور دائم. المؤسسات تُدار بالقوانين المؤقتة، أو تُسَيَّر بقرارات حزبية بحتة، في غياب تام لقضاء مستقل، أو معارضة سياسية منظمة.

اقتصاديا، لم يشهد الإقليم إقرار موازنة شفافة منذ أكثر من عقد، في ظل إدارة حزبية لعائدات النفط والمعابر الحدودية، دون وجود منظومة مالية مركزية أو نظام رقابي مستقل. النتيجة: أزمة مالية خانقة، ورواتب موظفين لا تُصرف بانتظام، واقتصاد ريعي هش يعتمد على التحويلات من بغداد.

قوات أمن على الورق

رغم كل ما قيل عن “توحيد قوات البيشمركة”، ما يزال الواقع يُثبت أن الأمن مقسّم فعليًا بين الحزبين الرئيسيين، وأن الولاءات داخل الأجهزة الأمنية ليست للمؤسسة بل للجهة السياسية التي تديرها.

هذا الانقسام الأمني لا يهدد فقط وحدة الإقليم، بل يضعف قدرته على الاستجابة لأي تحدٍّ خارجي أو داخلي، ويمنح القوى الإقليمية والدولية فرصة أكبر للتمدد والتدخل.

معارضة غائبة، وإصلاح مؤجل

المشهد السياسي الكردي اليوم بلا معارضة حقيقية، ولا تيارات إصلاحية فاعلة. الحركات السياسية، حتى الشبابية منها، إمّا تمّت “تدجينها” أو سُحقت تحت ضغط الأجهزة. والحكومة، التي فقدت شرعيتها منذ شهور، ما زالت تسيّر الأمور بالحد الأدنى، بينما الأحزاب الحاكمة تتفاوض على الغنائم بدلًا من أن تجتمع لمواجهة كارثة اقتصادية وسياسية تهدد بانهيار ما تبقى من المشروع الكردي.

هل نحن أمام انكماش الكيان؟

التراجع الذي يشهده الإقليم ليس فقط على مستوى الأداء الحكومي، بل في مفهوم الكيان السياسي نفسه. الكيانية الكردية التي بُنيت كمشروع مستقل داخل العراق، باتت اليوم مهددة من الداخل أكثر من الخارج. إذ لم يعد النزاع مع بغداد هو الأخطر، بل النزاع بين السليمانية وأربيل، وبين الولاء للحزب أو الولاء للمؤسسة.

خاتمة: صوت المواطن المقموع

منصات التواصل الاجتماعي في الإقليم لم تعد مجرّد فضاء للرأي، بل تحوّلت إلى مكان وحيد للتنفيس، في ظل إغلاق ساحات التعبير العام، وتراجع الصحافة المحلية، وخفوت دور منظمات المجتمع المدني. المواطن الكردي اليوم يشعر أنه بلا صوت، بلا حماية، وبلا أمل في إصلاح قريب.

وإذا لم تستفق القيادات السياسية من حالة الإنكار، ولم تُقدِم على خطوات جدّية لإعادة بناء المؤسسات وتوحيد الرؤية، فإن القادم لن يكون مجرد أزمة سياسية، بل انهيار حتمي لتجربة كادت تكون أنجح تجارب الحكم الذاتي في المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *