لم يكن تعدد المرجعيات الأمنية في العراق بعد عام 2003 أمرًا عفويًا أو وليد الحاجة الميدانية، بل كان جزءًا من مخطط مرسوم بدقة لنشر الفوضى وخلخلة الساحة العراقية سياسيًا وأمنيًا.
فقد عمل الاحتلال الأمريكي على دعم وتغذية فصائل مسلحة من مختلف مكونات الشعب العراقي، تحت تسميات ورايات متعددة، إلا أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو ولاؤها للولايات المتحدة، وتنفيذها لتوجيهات غرفة عمليات واحدة، مهما تنوعت الشعارات الظاهرية، من “مقاومة الاحتلال” إلى “حماية المكون”.
وقد سُوّق لبعض تلك الفصائل على أنها تابعة لدول إقليمية، في محاولة مدروسة لخلط الأوراق وتضليل الرأي العام، ليظن أن تلك الدول تتدخل في الشأن العراقي بما يخدم مصلحة بعض الأطراف.
غير أن الواقع يشي بأن تلك الفصائل ليست سوى أدوات لتكريس مشروع الهيمنة الخارجية. ومن الثابت أن جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق بعد 2003 قد صيغت ملامحها في أروقة وزارة الخارجية الأمريكية، بغض النظر عن المسرحيات الانتخابية والدستور والآليات الديمقراطية التي صُممت لتمرير المشروع الأمريكي على السذج والبسطاء.
وليس غريبًا أن نجد أغلب قادة المكونات العراقية – على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم – هم في حقيقتهم علمانيون حتى النخاع، حتى وإن ارتدوا عباءة المكون أو تحدثوا باسمه. والدليل الساطع على ذلك هو موقفهم من الأحداث في سوريا، فقد كشف سقوط النظام هناك، وصعود الجماعات الإرهابية المدعومة صهيو-أمريكياً، عن حقيقة هذه القيادات.
فبعضهم سارع إلى دعم تلك الجماعات، بينما اكتفى الآخرون بالصمت المطبق خشية انكشاف ارتباطاتهم، متوهمين أن بإمكانهم الاستمرار في تسويق أنفسهم كممثلين لمكوناتهم.
أما ما يُسمى بـ”الحكومة العراقية”، فقد تجاوزت كل الأعراف عندما سارعت إلى تقديم الدعم لمن وصفهم الشعب بالإرهابيين، بل إن بعض سياسييها لم يترددوا في لقاء أحد رموز الإرهاب – المحكوم عليه بالإعدام في العراق – والتقاط الصور معه بكل وقاحة، في خيانة صريحة لدماء آلاف العراقيين الذين ذُبحوا على يد عصاباته الإرهابية. هؤلاء فقدوا كرامتهم، ومن يفقد الكرامة، لا يُنتظر منه احترام لقيم أو مبادئ.
كان المخطط أن يُطبق في العراق السيناريو الذي جُرّب أولًا في سوريا: نشر الفوضى، انهيار المدن، تصعيد الجماعات الإرهابية، وتفكيك الدولة من الداخل، وكل ذلك تمّ بالتنسيق بين قوى الاحتلال وبعض القيادات السياسية النافذة. فجاء سقوط الموصل في 10/6/2014 كتكرار لهذا النموذج، حيث انسحبت القوات أمام تقدم داعش، وباتت الجماعات الإرهابية على مشارف بغداد، في مشهد يُراد له أن يعيد إنتاج الفوضى السورية على الأرض العراقية.
لكن ما قلب الطاولة على هذا المخطط الشيطاني كان فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقتها المرجعية الرشيدة في النجف الأشرف، في 13/6/2014، أي بعد ثلاثة أيام فقط من سقوط الموصل. لقد كانت هذه الفتوى نقطة التحول الكبرى، والشرارة التي أطلقت تشكيل “الحشد الشعبي” المرجعي – حشد العراق، لا حشد الولاءات.
استجاب الشعب العراقي، خصوصًا في مناطق الوسط والجنوب، لنداء المرجعية استجابة فاقت كل التوقعات. تدفق الآلاف إلى مراكز التطوع، حاملين أرواحهم على أكفهم، ليدافعوا عن غرب العراق وشماله، ويعيدوا الأرض إلى أهلها. لقد أثبت هذا التفاعل الشعبي العميق مستوى الوعي الوطني والولاء للمرجعية المباركة.
ورغم افتقار الحشد إلى البنى اللوجستية الأولية في بداية تأسيسه، إلا أن أبناءه خاضوا أعنف المعارك ضد تنظيم داعش في جرف النصر وآمرلي وسامراء والفلوجة والموصل، وقدموا آلاف الشهداء، ومن بينهم قادة بارزون مثل أبو مهدي المهندس، أحد رموز النصر.
حاولت بعض الفصائل المدعومة أمريكيًا أن تتلبّس رداء الحشد وتتسلل بين صفوفه، لكن وعي العراقيين وإدراكهم للتمييز بين “الحشد المرجعي” و”الواجهات الوهمية” حال دون تمرير هذه الخدعة. فالحشد الحقيقي هو الذي وُلد من رحم الفتوى، لا من دهاليز السفارات.
ولا يمكن أن نغفل الدور المحوري الذي لعبته الجمهورية الإسلامية الإيرانية في دعم الحشد على كافة المستويات، من التدريب والتسليح إلى المشورة والخبرات. كما كان للشهيد القائد قاسم سليماني، دور حاسم في إدارة المعارك ميدانيًا، وتحقيق الانتصارات الميدانية التي أذهلت العالم.
إن هذا التلاحم بين الشعب والمرجعية والحليف الصادق مثل إيران، شكل سدًا منيعًا في وجه كل المخططات الأمريكية والغربية لتقسيم العراق أو إسقاطه.
لقد صمد الحشد الشعبي، رغم كل التحديات، وأعاد للعراق هيبته، وسطر أروع ملاحم البطولة في الموصل وتكريت والفلوجة وسنجار والحويجة وغيرها. وكان التفوق العسكري على داعش رغم الغطاء الجوي الدولي المزعوم، صدمة كبيرة للمحتل وأتباعه، إذ لم يتوقعوا هذا الأداء الشعبي الخارق والروح القتالية التي لا تلين.
ولعل الإحصاءات الميدانية أبلغ دليل على حجم هذا الإنجاز؛ فخلال ثلاث سنوات فقط، ساهم الحشد الشعبي في تحرير أكثر من 60% من المناطق التي سيطر عليها داعش، وقدم أكثر من 7 آلاف شهيد، فضلاً عن عشرات آلاف الجرحى، في ملحمة قلّ نظيرها في تاريخ العراق الحديث.
وبعد أن أُسقط المشروع الإرهابي بفعل دماء أبناء الحشد، لجأ أعداؤه إلى خطة “الشيطنة الناعمة”. سُخرت الأقلام المأجورة، وصُدّرت الشعارات الهابطة، وشُكلت حملات دعائية تنال من سمعته وتطال تضحياته. وعندما لم تفلح تلك الحملات في النيل من وجوده، بدأنا نسمع أصواتًا نشازًا تدعو إلى “حل الحشد الشعبي”، بزعم أن القوات الأمنية كافية، في طرحٍ يبدو ساذجًا لأول وهلة، لكنه يحمل في طياته نوايا خبيثة لا تخفى على الواعين من أبناء هذا البلد.
وإمعانًا في التضليل، روّجت بعض وسائل الإعلام لما أسمته “تجاوزات” من بعض الأفراد المنتسبين للحشد، متناسيةً أن كل مؤسسة في العالم، بما فيها الجيوش الكبرى، قد تشهد خروقات فردية لا تمثل نهج المؤسسة. وكان الحشد أول من بادر بمحاسبة أفراده، في نموذج نادر من الانضباط الثوري.
لهؤلاء نقول: الحشد الشعبي ليس مؤسسة عسكرية فحسب، بل هو مشروع وطني ومقدس، يمثل كرامة العراق وسياجه المتين. وهو اليوم أكثر من مجرد قوة؛ إنه عنوان للهوية والاستقلال. وإذا كان هناك من يتوهم أن العراقيين سينسون الحشد مع مرور الزمن، فإن أحداث المنطقة، وخصوصًا في سوريا وفلسطين ولبنان، أثبتت أن الخطر لم يزَل، وأن سلاح الحشد سيبقى حارسًا للعراق، لا يُفرّط به إلا خائن.
ومن هنا نطالب الحكومة العراقية بتقديم كامل الدعم للحشد الشعبي، على مستوى التسليح والتجهيز والاعتراف الكامل بمكانته، بل وفتح قنوات تعاون تسليحي مع دول متعددة، استعدادًا للمواجهة القادمة، التي قد لا تكون بعيدة.
أما أولئك الذين ينتمون إلى “الطابور الخامس” ويمارسون دور المخبر أو الحاقد أو المروّج لخطابات التفرقة، فنقول لهم بوضوح: أنتم مكشوفون، كما كان المنافقون مكشوفين في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله. وعليكم أن تختاروا: إمّا أن تكونوا مع العراق، أو مع المحتل وأذنابه.
فالعراق لم ولن يسقط، ما دام الحشد الشعبي وطنيًا، عقائديًا، ومرجعيًا، ومحل ثقة أبناء العراق من شماله إلى جنوبه.
لقد أثبتت التجربة أن الحشد الشعبي ليس خيارًا ظرفيًا، بل ضرورة وطنية واستراتيجية للدفاع عن كيان الدولة وهويتها. فبينما تتبدل التحالفات وتتآكل الولاءات، يبقى الحشد الشعبي صادق الانتماء، ثابت العقيدة، حاضرًا في الميدان والوجدان.
وإن دعوات حلّه أو نزع سلاحه لا تصبّ إلا في مصلحة أعداء العراق الذين فشلوا عسكريًا ويسعون الآن للخراب من الداخل.
فالدعوة إلى نزع سلاح الحشد الشعبي بمثابة الدعوة لنزع شرف العراق، والسماح باستباحة أرضه، وذبح أبنائه، وهدم مراقده المقدسة، كما حدث في سوريا.
وسيظل الشعب العراقي، ما بقي على أرضه رجال من الحشد، يقظًا لأي مشروع يراد به أن يعيد عجلة الدم والخراب إلى الوراء.


