إن مقاربة موقف مصر من القضية الفلسطينية تتطلب الفصل بين مستويين متداخلين: الأول هو الخطاب الرسمي والإعلامي الذي صُدّر إلى الداخل والخارج، وغلبت عليه مفردات القومية والتحرير، والثاني هو السلوك السياسي والعسكري الفعلي الذي اتّسم غالبًا بالانضباط لمعادلات توازن إقليمي ورهانات دولية.
تشير الوثائق التاريخية إلى أن الحروب التي خاضتها مصر (1956، 1967، 1973) لم تكن موجهة لتحرير فلسطين بقدر ما كانت تستهدف استعادة أراضٍ مصرية أو حماية المصالح الوطنية المباشرة. كما أن اتفاقية كامب ديفيد (1979) أنهت عمليًا أي التزام مصري عسكري بالقضية الفلسطينية، وقيّدت الحركة المصرية في الملف، وهو ما تجلى بوضوح خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982)، والانتفاضات الفلسطينية، والحروب المتكررة على غزة.
علاوة على ذلك، لعب الإعلام المصري دورًا محوريًا في تضخيم الدور، حتى باتت سردية “فضل مصر” على الفلسطينيين ركيزة ثابتة في الوعي الشعبي، بالرغم من الواقع الذي يبرهن على غياب تدخل حقيقي وفعّال وقت الأزمات، بل وأحيانًا اتخاذ مواقف سلبية أو محايدة في أحلك اللحظات.
طالما احتلّت القضية الفلسطينية مكانة مركزية في الخطاب السياسي العربي، وكانت مصر في طليعة الدول التي رُوّج لمواقفها باعتبارها “رأس الحربة” في المواجهة مع الكيان الصهيوني. فمن إذاعة “صوت العرب” إلى مقالات محمد حسنين هيكل، ومن شعارات القومية العربية إلى خطب الزعماء، تشكّلت صورة ذهنية لمصر باعتبارها الحامي الأول لفلسطين وقضيتها. غير أن تحليل هذه الصورة، في ضوء الوقائع التاريخية والتحركات الميدانية، يكشف عن مفارقة صارخة بين ما يُقال وما يُفعل. فهل كانت المواقف المصرية فعلًا ترجمة عملية لخطابها القومي، أم أن حسابات الدولة وقيود السياسة فرضت واقعًا مغايرًا؟
هذا المقال يطرح تساؤلات مشروعة ويعيد قراءة الدور المصري من منطلق أكاديمي متحرر من العاطفة.
استوقفتني مؤخرًا بعض العبارات التي ترددت باللهجة المصرية المحببة إلى قلبي، والتي أحترم شعبها تقديرًا عميقًا. من بين ما قرأته في إحدى مجموعات التواصل الاجتماعي:
“مافيش حد يزايد على مصر، ماحدش ضحى عشان القضية الفلسطينية زي مصر، ولا الفلسطينيين نفسهم“.
وعبارة أخرى تقول: “فضل مصر لا يُنسى“.
هذه العبارات تعبّر عن مشاعر صادقة، لكنها تنبع من منطلق عاطفي. والمشكلة تبدأ حين تتحوّل العاطفة إلى معيار في تقييم المواقف السياسية والتاريخية، فنجد أنفسنا على ضفاف خطاب شعبي حالِم، منفصل عن معايير التقييم الموضوعي.
من هنا، يصبح من الضروري، حين نناقش موقف مصر من القضية الفلسطينية وسائر القضايا العربية، أن نعتمد على وقائع ملموسة وحقائق دامغة، لا أن نغرق في اللغة الإنشائية أو نُؤسّس أحكامنا على الانطباعات.
وفي هذا السياق، ربما يكون من المفيد أن نطرح السؤال التالي، ونحاول الإجابة عنه بكل تجرد:
هل كان موقف مصر من القضية الفلسطينية دائمًا في مصلحة الشعب الفلسطيني؟ أم كانت هناك محطات تشي بعكس ذلك؟
ولعل الأسئلة التي تفرض نفسها في هذا السياق، والتي ينبغي طرحها بموضوعية وتجرد، هي:
هل وقفت الحكومات المصرية المتعاقبة حقًا إلى جانب الشعب الفلسطيني في محنته؟
وهل خاضت مصر حروبها من أجل استرداد حقوق هذا الشعب؟
وهل كان الموقف المصري مميزًا ومختلفًا عن مواقف بقية الحكومات العربية، تلك التي اعتاد الإعلام المصري وصفها بـ”الرجعية”؟
أم أن ما وُصف إعلاميًا بالدور “التقدمي” لم يكن في حقيقته سوى امتداد لسياسات لم تخدم القضية، بل ساهمت في إفراغها من مضمونها؟
لنعد إلى نكبة عام 1948، لحظة الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني.
حينها، دخلت الجيوش العربية الأراضي الفلسطينية في محاولة لصد المشروع الصهيوني، وكان للجيش العراقي دور مشهود ومميز في ساحات القتال. ولا تزال مقابر شهداء العراق في جنين وسواها من المدن الفلسطينية شاهدة على حجم التضحيات التي قدمها العراقيون دفاعًا عن فلسطين.
في المقابل، لم يكن للجيش المصري آنذاك دور يميّزه بشكل استثنائي عن بقية الجيوش العربية، بل إن ما ارتبط بتلك المرحلة من وقائع، أبرزها “فضيحة الأسلحة الفاسدة” التي زُوّد بها الجيش المصري، لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية، ومثبتة في الوثائق الرسمية والإنتاج السينمائي المصري نفسه، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول الجدية والنية الحقيقية وراء تلك المشاركة.
في عام 1956، تعرضت مصر لعدوان ثلاثي من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، جاء كرد فعل مباشر على قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس. ومن المهم التوضيح هنا أن تلك الحرب لم تكن حربًا من أجل فلسطين أو بدافع تحرير أراضٍ فلسطينية، بل كانت حربًا تتعلق بسيادة مصر على أحد أهم مواردها الاستراتيجية.
وقد أسفر هذا العدوان عن احتلال القوات الإسرائيلية لسيناء، بينما احتلت القوات البريطانية والفرنسية مدينة بورسعيد. ولم يكن الانسحاب الإسرائيلي مشروطًا فقط بوقف إطلاق النار، بل قبلت مصر أيضًا بشروط تضمنت حرية الملاحة للبواخر الإسرائيلية عبر خليج العقبة، ووجود قوات طوارئ دولية على حدودها مع إسرائيل، وهو ما مثل عمليًا أول اعتراف ضمني بالكيان الصهيوني.
رغم ذلك، وقفت الشعوب والحكومات العربية، وفي مقدمتها العراق، إلى جانب مصر سياسيًا واقتصاديًا، وقدمت لها الدعم والمساعدات في موقف قومي نبيل يعكس الروح التضامنية التي سادت بين الدول العربية آنذاك.
في حزيران/يونيو 1967، اندلعت ما يُعرف بـ”حرب الأيام الستة”، والتي لم تكن – خلافًا لما يروج له الخطاب الرسمي المصري – حربًا لتحرير فلسطين، بل كانت الخلاف الأساسي فيها يتمحور حول مضايق تيران وخليج العقبة، حيث سعت مصر إلى إغلاق الممر الملاحي بوجه السفن الإسرائيلية.
وقد جاءت نتائج هذه الحرب كارثية على العرب كافة؛ إذ لم تقتصر الخسائر على مصر التي فقدت كامل شبه جزيرة سيناء، بل شملت أيضًا سوريا التي خسرت الجولان، والأردن التي فقدت الضفة الغربية بما فيها القدس. وبذلك تسببت القيادة السياسية المصرية، من خلال سوء التقدير والتصعيد غير المحسوب، في واحدة من أكبر النكسات في التاريخ العربي الحديث، وهو ما أطلق عليه لاحقًا “نكسة حزيران”.
هذه النكسة لم تفتح فقط شهية إسرائيل للتوسع، بل مهدت كذلك لتحولات جذرية في النظرة الرسمية العربية تجاه الصراع، بدأت تتجلى لاحقًا في مبادرات التسوية ومشاريع “السلام” التي لم تُثمر عن شيء سوى مزيد من التنازلات.
أما حرب تشرين/أكتوبر 1973، والتي غالبًا ما يُروج لها في الإعلام المصري كـ”انتصار تاريخي”، فقد كانت في جوهرها حربًا محدودة الأهداف، خُطط لها بعناية لفتح قناة السويس واستعادة أجزاء من سيناء، ولم تكن بأي حال من الأحوال حربًا لتحرير فلسطين. بل إن مجريات الحرب، وطريقة إدارتها، ومآلاتها، تدل بوضوح على أنها كانت خطوة تمهيدية لاتفاق سياسي مرتقب، هو ما عُرف لاحقًا بـ”معاهدة كامب ديفيد” الموقعة عام 1978 بين مصر وإسرائيل برعاية أمريكية.
هذه المعاهدة، التي كرست الاعتراف الرسمي بإسرائيل وفتحت الباب للتطبيع، مثلت قطيعة مع الإجماع العربي، ووصفتها غالبية النخب السياسية حينها بأنها “معاهدة استسلام”. الأسوأ من ذلك أن مصر لم تُنسق انسحابها العسكري مع سوريا، فغدرت بحليفتها وتركتها وحيدة في الميدان، مما أدى إلى انقلاب كفة المواجهة على الجبهة السورية لصالح إسرائيل.
وهكذا، تحولت حرب أكتوبر من معركة يمكن البناء عليها سياسياً وعربياً إلى نقطة بداية لتفكيك التضامن العربي، وترسيخ الانفراد الإسرائيلي، وتعويم الكيان الصهيوني سياسيًا واقتصاديًا في المنطقة.
منذ توقيع معاهدة “السلام” بين مصر وإسرائيل في كامب ديفيد عام 1978، اتخذت القاهرة موقفًا منضبطًا وفق ما تمليه بنود الاتفاق، مبررةً ابتعادها عن أي تدخل عسكري في الصراع العربي–الإسرائيلي بحجة الالتزام بالمعاهدات الدولية. وقد بدا هذا الانكفاء جليًا في مناسبتين مفصليتين: اجتياح لبنان عام 1982، حيث صمتت القاهرة أمام الاجتياح الإسرائيلي ووصلت الدبابات الصهيونية إلى مشارف بيروت، دون أن تحرك مصر ساكنًا؛ ومجدداً في “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023، حين تعرض قطاع غزة لأعنف موجة تدمير وقتل في تاريخه الحديث.
لم تكتف مصر بالتزام الصمت، بل أغلقت معبر رفح أمام الجرحى والنازحين، ومنعت مرور المساعدات الإنسانية لأهالي غزة، في الوقت الذي كانت فيه صور المجازر تُبث للعالم أجمع. الأسوأ من ذلك، أن قناة السويس، الخاضعة للسيادة المصرية، ظلت مفتوحة أمام مرور السفن الحربية والبوارج الداعمة لإسرائيل، بما في ذلك الدعم اللوجستي والأسلحة، ما يعني ضمنًا مساهمة غير مباشرة في ترجيح كفة العدوان.
بهذا السلوك، تحولت مصر من دولة كان يُنظر إليها على أنها قلب العروبة، إلى دولة مراقبة، بل وُصفت أحيانًا بأنها جزء من منظومة “تقييد” الفلسطينيين، باسم “التوازن الإقليمي” و”الشرعية الدولية”.
لقد اختار التاريخ أن يدوّن الوقائع كما هي، لا كما يروّجها الإعلام. وإذا كان موقف مصر الرسمي من فلسطين لم يكن في جوهره موقفًا تحرريًا خالصًا، فإن المراجعة الجريئة اليوم تفرض نفسها، لا لتجريح أحد، بل لطرح السؤال الجوهري: متى تكون القضية هي المبدأ، لا ورقة ضغط في دفتر الحسابات الإقليمية؟
وقد يُغضب هذا الاستنتاج بعض الأشقاء المصريين، لكن قول الحقيقة لا يجب أن يُفسَّر كعداء، بل كتقييم تجريدي لوقائع تاريخية.
فحين كان النزاع عربيًا–عربيًا، كما حدث في اليمن خلال فترة حكم عبد الله السلال، أو في الأزمة العراقية–الكويتية، وحتى في مشاركة الجيش المصري ضمن قوات التحالف التي أطاحت بالنظام العراقي عام 2003، برز الدور العسكري المصري بوضوح. أما حين تعلق الأمر بالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، فقد اكتفت القاهرة في معظم الأحيان بدور الوسيط أو المراقب.
المفارقة الكبرى أن الإعلام المصري، ومنذ أيام محمد حسنين هيكل وصوت أحمد سعيد في إذاعة “صوت العرب”، وصولًا إلى أجيال جديدة من الإعلاميين كعمرو أديب وغيرهم، روّج لرواية مغايرة جذريًا. فتم تصوير معاناة الشعب المصري وكأنها ثمرة مواقفه المبدئية تجاه القضية الفلسطينية، رغم أن القراءة الواقعية للتاريخ لا تدعم هذا الزعم. وهكذا، نجح الإعلام في تحويل معاناة المصريين من نتائج سياسات داخلية واقتصادية إلى سردية نضال قومي، جعلت فلسطين ذريعةً لتبرير الفقر والحرمان.
ليس الهدف من هذا المقال النيل من مصر أو انتقاص دورها، بل السعي إلى تقديم قراءة موضوعية لدور دولة محورية في النظام العربي. فبينما كانت فلسطين حاضرة في أدبيات الخطاب المصري، ظل حضورها في الواقع مرهونًا بمصالح الدولة وأولوياتها، لا باعتبارات تحرير أو تضامن. إن المصارحة مع الذات، والابتعاد عن “تقديس” المواقف الرسمية، هما أولى خطوات استعادة الوعي الجمعي العربي، وإعادة بناء خطاب فلسطيني–عربي يرتكز على الوقائع لا على الأساطير السياسية. فالتاريخ لا يُنصف بالشعارات، بل بالحقائق، والمواقف لا تقاس بالنوايا، بل بالنتائج.
وكخلاصة، وبنظرة أكاديمية شاملة لتقييم الدور الرسمي المصري في القضية الفلسطينية على المستويين العربي والدولي، يمكن تقسيم هذا الدور إلى ثلاث مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى (الخمسينيات والستينيات):
تميزت هذه المرحلة بتصاعد الخطاب القومي والتحرري الذي تبناه الإعلام المصري، حيث لعب دورًا كبيرًا في الترويج لمفاهيم القومية العربية، والوحدة، والتحرر من الاستعمار. إلا أن هذه الشعارات بقيت في إطار التنظير، دون أن تقابلها ارتدادات فاعلة على الأرض، بل شهدت القضية الفلسطينية خلالها تراجعًا مستمرًا.
المرحلة الثانية (السبعينيات والثمانينيات):
شهدت هذه المرحلة تحوّلًا كبيرًا، حيث لعب الإعلام المصري دورًا محوريًا في تسويق ما سُمي بـ”الانتصار” في حرب أكتوبر، وتبرير ما ترتب عليه من صفقات “سلام”، من خلال خطاب يروج لفكرة أن الجيش المصري “تعب من الحروب” وأن الوقت قد حان لـ”السلام”، رغم ما تخلل تلك المرحلة من تنازلات استراتيجية خطيرة.
المرحلة الثالثة (من التسعينيات حتى اليوم):
انكفأ الإعلام المصري على ذاته، وجرى تقليص حضوره العربي تدريجيًا، تحت شعار “المصلحة المصرية أولًا”. وبذلك تراجع تأثيره القومي، في حين برزت أصوات إعلامية بديلة على الساحة العربية لتتولى مهمة تسويق مفاهيم “السلام” و”التطبيع” مع الكيان الصهيوني، فيما تحول الإعلام المصري الرسمي إلى مجرد أداة لتمجيد الحاكم، وتكريس السردية الرسمية للسلطة.


