المقدمة:
تعد الرواية أداة فعالة لتشريح الواقع وتفكيك تعقيداته، خاصة حين تتبنى الواقعية كنهج فني ومضموني. وفي رواية “العودة إلى هيليلكي” للروائية إلهام عبد القادر عبد الرحمن، تتجلى الواقعية الاجتماعية كهوية مركزية للنص، إذ تدمج الكاتبة بين التجربة الشخصية والهم الجمعي الكردي ضمن سياق سياسي واجتماعي معقد. في هذا المقال، نناقش كيف شكلت الواقعية ملامح السرد والشخصيات والبنية الفنية للرواية، وأثرت على وعي البطلة ومسار الأحداث.
*التحليل
تنتمي رواية “العودة إلى هيليلكي” إلى تيار الواقعية الاجتماعية، وهو انتماء ترك بصمة واضحة على مسار الأحداث، وتطور الشخصيات، وتقنيات السرد. تقوم الروائية بتشييد بنية الرواية على ثلاثة مستويات سردية متراكبة. الجزء الأول يمتد من الفصل الأول حتى الفصل السابع، ويغطي قرابة تسعين صفحة.
وفيه تقترب الواقعية من السيرة الذاتية الروائية، لا سيما في التشابه اللافت بين الكاتبة إلهام عبد القادر عبد الرحمن وشخصية البطلة (ئالا): كلتاهما كرديتان من القامشلي، تدرستا القانون في دمشق، وتشتركان في ملامح عديدة من التجربة والمعاناة.
تتجلى ملامح الواقعية من خلال تركيز الرواية على الفقر والاضطهاد القومي في حي “هليليكي”، حيث “ينزلق الزمن ببطء على أطراف الوجود، وأحلامها تنمو على أرض جرداء” (ص28). هذا الواقع القاسي شكل وعي (ئالا)، التي أدركت عبث الدعاء في مواجهة الظلم، فقررت أن تصنع مصيرها بيديها. الوعي القومي يتجلى منذ الطفولة، حين رفضت السلطات تسجيل اسمها الكردي “ئالا رنكين”، واعتبرت ذلك “طعنة في قلبها ورمزًا لهوية مفقودة وأملٍ متجدد” (ص33).
اختيارها دراسة القانون في دمشق لم يكن محض قرار أكاديمي، بل كان فعلاً رمزيا لتحرير الذات وتحدي السلطة. هذا الوعي المبكر يتبلور لاحقا في الجزء الثالث من الرواية، حين تتورط (ئالا) في احتجاجات طلابية، تؤدي إلى فصلها من الجامعة واعتقالها وتعذيبها واغتصابها، وصولا إلى إصابتها بانهيار نفسي ثم عودتها إلى القامشلي، فيما يشبه دائرة كاملة تنتهي عند نقطة البداية.
الرواية مشبعة بهمّ قومي واضح، يظهر في معالجة إشكالية اللغة والهوية ضمن سياق القمع البعثي. تعالج الكاتبة إشكاليات الأقليات ضمن الدولة المركزية، وتنتقد رفض الأنظمة القومية أو الدينية التعامل العادل مع القوميات الأخرى، ونحن نشبد بتجربة لينين في الاتحاد السوفييتي، الذي ربط تعلم الروسية بالحاجة العملية لا بالقسر السياسي، وأعطى مجالا واسعا لاحترام اللغات والثقافات المحلية.
*قيود الواقعية:
مع تصاعد الأحداث في الجزء الثالث، تظهر شخصيات جديدة مثل ريم، العلوية التي تجبر على الارتباط بضابط مخابرات سادي، حيث تقول (ئالا): “أنت من الطائفة الحاكمة، يحق لك ما لا يحق لغيرك”، فترد ريم: “الطائفة لا تعني شيئا… نحن مجرد أدوات في يد السلطة” (ص136). هنا، تسجل الرواية موقفا نقديا من البنية الطائفية والطبقية للنظام.
غير أن الالتزام بالأسلوب الواقعي جعل من البطلة (ئالا) محورا لكل الأحداث، فبدت أحيانا كشخصية “فضولية” تتدخل في كل شيء، فقط لأداء دور السرد. فبالإضافة إلى قصتها الرئيسية، تتورط في مسألة زواج عرفي بين مسلمة ومسيحي، وقضية إجهاض، ومأساة صديقتها رندا التي تعرضت للخيانة، وانتهاكات سجاد للمجتمع الطلابي، وغير ذلك. وهو ما كان يمكن تجاوزه لو لجأت الكاتبة إلى تقنيات سرد حداثية أو ما بعد حداثية تسمح بتعدد الأصوات وتوزيع الأدوار.
ورغم هذا القيد، فإن الروائية عرفت كيف تستثمر الفضاء المكاني للسكن الجامعي بوصفه نموذجا مصغرا للمجتمع السوري: “السكن الجامعي نسخة مصغرة من سوريا… يجتمع فيه الشباب والشابات في مساحة ضيقة وسط العاصمة… تنعكس فيه روح الشام بكل ما فيها من حب ورغبات وتناقضات” (ص183). هذه المساحة تصبح رمزًا للوطن الحلم الذي ينبغي أن يتسع للجميع، لا أن يُخنق بين الجدران أو في ذاكرة المسحوقين.
الخلاصة:
تكشف رواية “العودة إلى هيليلكي” عن وعي سردي ناضج، وتجربة إنسانية مشبعة بالألم والمقاومة والانتماء. الواقعية في هذه الرواية ليست مجرد تقنية فنية، بل موقف أخلاقي من العالم، وانحياز للهوية المهددة، وللمرأة المستلبة، وللأقليات التي تبحث عن مكان عادل في وطن مأزوم. ورغم ما تفرضه الواقعية من قيود سردية، فإن الروائية استطاعت عبر صوت (ئالا) أن توصل رسائلها العميقة بجرأة وصدق، فخلقت رواية تمثل شهادة حية على معاناة جيل بأكمله.
ولنا وقفة نقدية أخرى.


