تحت عنوان (إسرائيل “مُنقذًا”) كَتبتُ مقالاً نشرته صحيفة “الحياة” في 10/05/2013. جاء المقال بعد قصف إسرائيل شحنات صواريخ إيرانيّة داخل الأرضي السُّوريّة، كانت متَّجهة إلى “حزب الله”، حيث تمّ قصف عدّة مواقع في ريف دمشق، منها مركز “جمرايا” للبحوث العلميّة (05/05/2013).
وممَّا قلتهُ في مقالي السَّالف الذِّكر: “… السَّبب الكامن وراء الصَّمت الغربي (حيال المأساة السُّوريّة)، هو ترك قرار الحسم لإسرائيل، وتقديمها على أنَّها هي مَن أنقذ الشَّعب السُّوري من هذا الأخطبوط الدَّموي الهائج الذي يفتك بالسُّوريين كلّ لحظة. هكذا، ستتم إناطة دور المنقذ بإسرائيل، فهي صاحبة المصلحة الأولى والأخيرة، بأن يكون نظام ما بعد الأسد، “صديقاً” لـ”تل أبيب”، بنفس القدر الذي كان فيه نظام الأسد يكنُّ لإسرائيل “الصَّداقة” المستترة، المغلفة ببهرج وبريق وزخارف المقاومة. (…) والسُّؤال هنا: هل تفكِّر تل أبيب، جديًّا وحقيقيًّا بأن تكون “منقذ” السُّوريين والإيرانيين وشعوب المنطقة من النظامين السُّوري والإيراني، وتحقق بذلك نقلة نوعيّة، سياسيّة وحضاريّة، قد تفضي إلى طيّ صفحة الأحقاد والكراهية مع الشّعب الفلسطيني بالدّرجة الأولى، ومع شعوب المنطقة وحركاتها الإسلاميّة واليساريّة، بالدّرجة الثانية؟ بذلك تصبح إسرائيل صديقًا لشعوب المنطقة وعاملاً مؤثِّرًا وفاعلاً في صنع السّلام، بعد هذه العقود من الأحقاد والعداوات التّاريخيّة والحروب؟ فأمن إسرائيل لا تحصنه ترسانتها النّوويَّة، بل تمتُّع المنطقة بالدّيمقراطيَّة والسّلام والتنمية”.
مناسبة العودة إلى ذلك المقال المنشور قبل 12 سنة خلت، هو إجراء مراجعة لما فعلته إسرائيل في المنطقة خلال الأشهر الماضية: 1 – إسقاط نظام الولي الفقيه في لبنان، عبر الإجهاز على أكثر من 80 بالمئة من القدرة العسكريّة والقيادة الإيديولوجيّة – السِّياسيَّة لدى حزب الله. 2 – المساهمة في إسقاط نظام بشّار الأسد، عبر الموافقة على تمدد الفصائل السنيّة المسلّحة المتحالفة من تركيا؛ الصَّديقة اللدودة لإسرائيل. 3 – إضعاف نظام الجماعة الحوثيّة (الإيرانيّة) في اليمن. 4 – استهداف حماس داخل غزَّة وخارجها. 5 – فتح جبهة حرب مباشرة على النِّظام الإيراني، دارت رحاها على امتداد 12 يومًا، ودخلت واشنطن على خط تلك الحرب، وانتهت بهدنة ومفاوضات وتفاصيل أخرى كان الإعلام مطبولا بها. وسواء أفضت تلك المفاوضات إلى تقويض النظام الإيراني وقطع أذرع الأخطبوط الإيراني في الشرق الأوسط، أو شجّعت الشعوب الإيرانيّة مجددًا على الانتفاضة ضد خامنئي وزمرته، أو حدوث احتمالات أخرى ليس من ضمنها عودة النظام الإيراني إلى سابق إجرامه، وقتذاك، لا يمكن لأحد إنكار الدور الإسرائيلي الفاعل والمؤثِّر والمباشر في حدوث ذلك.
المقولة التي أطلقها أنصار الحكومة السورية الحالية: “من يحرِّر يُقرِّر”، ربّما تنسحب على إسرائيل أيضًا، لجهة الدور الكبير والهام والاستراتيجي الذي لعبته تل أبيب في ضرب النّفوذ الإيراني، وتقويضه وصولاً إلى تكنيسه من المنطقة، فيقرِّر الإسرائيليون مصيرها وفق مقتضيات مصالحهم وخرائطهم.
أيًّا يكن من أمر، تلك الحمولة العقائديَّة البعثيّة والنّاصريّة واليساريّة الكارهة لإسرائيل بدأت تخف، والسَّبب في ذلك إيران، بممارساتها وتدخُّلها السَّافر والدّموي في الشُّؤون العربيَّة. حتَّى الدّعم المالي والعسكري الذي كان تؤمِّنه طهران لـ”حماس” و”الجهاد الإسلامي” والفصائل الفلسطينيّة الأخرى، كان الهدف منه استخدامهم كأوراق ضغط في صراع النفوذ مع إسرائيل. وعليه، باستثناء الشَّعب الفلسطيني، إذا وضعت سنَّة سوريا والعراق ومنطقة الخليج بين خياري إيران أم إسرائيل، سيختارون الثانية (لأنهم لم يجربوا خطورتها بعد). بالتالي، في هذا الإطار، يمكن فهم ما صرّح به الرَّئيس السُّوري الانتقالي المؤقّت أحمد الشَّرع موجِّهًا كلامه لاسرائيل: “يجب أن ينتهي عصر القصف المتبادل الذي لا ينتهي. لا تزدهر أي دولة عندما يملأ الخوف سماؤها. الحقيقة هي أن لدينا أعداءً مشتركين، ويمكننا أن نلعب دورًا رئيسيًا في الأمن الإقليمي” (31/5/2025). زد على ذلك، شاع في الإعلام العربي خبر بدء مفاوضات سريّة بين حكومة الشّرع وإسرائيل. ويبدو أنَّ الجانب السُّوري منفتح على ذلك، والأجواء الحالية والسَّاخنة، مواتية تمامًا لمفاوضات كهذه.
أعتقد أنَّ إسرائيل بشكل عام، ونتنياهو على وجه الخصوص، بأمسّ الحاجة لنصر تاريخي لا يقتصر على تحجيم دور إيران وحسب، بل يتعدَّى ذلك إلى إبرام اتفاق سلام نهائي مع سوريا. هكذا نصر وجودي وتاريخي، سيغطّي على حجم الكوارث والجرائم والدّمار الذي ألحقته الحكومة الإسرائيليّة بغزّة وشعبها. كذلك الشّرع بحاجة لاتفاق سلام نهائي وتاريخي مع إسرائيل كي يطوي به ملفّه الجهادي نهائيًّا في الغرب والشّرق والعالم العربي وسوريا.
قصارى القول: الحرب الإسرائيليّة – الإيرانيّة التي كانت بشكل غير مباشر منذ تأسيس حزب الله اللبناني، دخلت مرحلة الجبهات المفتوحة المباشرة. هذه الحرب؛ معروفة الأسباب والخلفيّات، وكلّ طرف له سرديّته بهذا الخصوص، وغالب الظنّ أن إيران وملاحقها في المنطقة، سيتحدّثون عن الانتصارات التاريخيّة “الإلهيّة” التي حققها النظام الإيراني. كل ذلك بات معروفًا، والمتروك برسم المجهول والتَّحليل السِّياسي هي النَّتائج وما يترتّب عليها من تغييرات في خرائط النُّفوذ والمصالح، وربّما خرائط الدُّول أيضًا. بالتالي، ليس مستبعدًا أن تكون الحرب على إيران مدخلاً استراتيجيًّا وتوطئة مهمة لإبرام اتفاق سلام مع سوريا ولبنان. وأيّ نظام آخر جديد في إيران والعراق، سيحذو هذا الحذو، ويبقى الشّعب الفلسطيني يتجرَّع كأس الحقيقة المرَّة وحده مع الأسف الشَّديد.
