أطلعت على كتيب حزب الاستقلال الوطني تحت عنوان: “هل تعد مقاطعة الانتخابات سلاحاً فعالاً؟” وهو حزب ناشئ يقوده النائب سجاد سالم ومجموع من الشباب، و يتطلع إلى المشاركة في الانتخابات المقبلة ويروج لها. وكما جرت العادة قبيل كل انتخابات برلمانية في العراق، تشهد الساحة السياسية موجة من الفوضى التنظيمية تتمثل في ولادة عشرات الأحزاب والتشكيلات الجديدة، التي ترفع شعارات براقة ومشاريع ظاهرها الإصلاح والتغيير.
غير أن هذه الكيانات سرعان ما تختفي وتتلاشى بعد انتهاء الانتخابات وبدليل إنها تغير شعاراتها ومسمياتها في كل انتخابات، في مشهد يتكرر منذ 2006، عاكساً غياب الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. هذا التلاشي السريع يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الهدف الأساس لهذه التشكيلات لم يكن إحداث تحول حقيقي في بنية الدولة، بل مجرد محاولة ظرفية لكسب أصوات الناخبين. إن تكرار هذه الظاهرة يُعد مؤشراً واضحاً على أن الغاية العليا للعديد من هذه الكيانات ليست بناء مشروع سياسي وطني مستدام، بل تحقيق مكاسب انتخابية آنية، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة على جدية العملية السياسية برمتها.
بالعودة إلى موضوع المقال الذي أسعى فيه إلى تفكيك الكتيب المشار إليه في الصورة ( سأضع نسخته الإلكترونية هنا وفي خانة التعليقات)، الذي بدا لي أنه محاولة لترسيخ سردية مشروطة ومؤدلجة ضد خيار المقاطعة. من خلال لغة منمقة يعيد البحث المقدم إنتاج خجاب المشاركة بوصفه ( الخيار الواقعي)، بينما تُحمل المقاطعة تبعات الفشل والانقسام وكأنما هي قطيعة مع السياسي لا تعبر عنه:
-
حياد مُفترض وتحامل ناعم
من البداية، يُعلن الكتيب نواياه: خطاب تحليلي موضوعي لا ينتصر لأي خيار. لكن ما يلبث أن يجنح، عبر الاستشهاد الانتقائي والدلالات الضمنية، نحو تحميل المقاطعة كلفة الانسحاب، مقابل تصوير المشاركة بوصفها الخيار المؤسساتي الوحيد الممكن. المفارقة أنه يعترف ( في نفس الموضع) بأن المقاطعة قد تؤدي إلى إصلاحات أو حتى إلى تغيير النظام، لكنه يفرغها من بعدها الاستراتيجي عبر شروط معيارية مسبقة تجهض جدواها.
“تشير الدراسات إلى أن المقاطعة قد تسرع من سقوط النظام أو تحفر الإصلاح… لكن غالباً ما تكون فعالة أو تأتي بنتائج عكسية.”(راجع الصفحة 26)
كيف يمكن تقديم حجتين متناقضتين في الجملة ذاتها من دون كشيف التحيز التأويلي؟ لماذا يُرجح التفسير السلبي على الرغم من التباين البحثي؟
المقاطعة بوصفها تهمة: في الصفحة 44 يحمل الكُتيب فشل المقاطعة لمسؤولية المعارضة المفككة، ويصف غياب التوحد بأنه مصدر ارتباك شعبي.
“حين تفشل قوى المعارضة في تنسيق خطابها… فإن المقاطعة تتحول إلى مصدر ارتباك.”
لكن المقاطعة الشعبية ليست دائماً فعلاً نخبوياً. التجربة العراقية مثال حي على ذلك: النسبة الحقيقية للمشاركة في انتخابات 2021 كانت متدنية للغاية، رغم غياب حملة موحدة ، مما يدل على وعي شعبي مكتوم تجاوز نخب السياسة.
-
تغييب السياق العراقي
جاء في الصفحة 37 من الكتيب: “مع سقوط نظام صدام حسين، تشكلت فرصة جديدة لإعادة تشكيل الدولة على أسس تعاقدية.”
تمر هذه العبارة مرور الكرام في الكتيب، لكنها تفضح اختزالاً سياسياً خطيراً. فالنظام السياسي في العراق بعد 2003 لم يكن ( تعاقدياً) ، بل مفروضاً تحت الاحتلال ونُسق في ظل غياب حقيفي لأي توازن وطني.
إن تقديم النظام ما بعد 2003 كمجال لإصلاح داخلي هو قراءة تجميلية تتجاهل بنية الفساد والمحاصصة والانقسام العميق الذي حول الانتخابات إلى طقس رمزي وعرف بلا مضمون سياسي حقيقي.
-
المقاطعة كفعل مشروط
“حتى تكون المقاطعة فعلاً استراتيجياً مؤثراً، لا بد أن تترافق مع بديل سياسي واضح.” (راجع الصفحة 45)
هذا المنطق يُفرغ المقاطعة من كونها أداة رفض جذري لنظام لا يقبل الإصلاح. البديل لا يولد قبل المقاطعة، بل قد يكن نتاجاً لها. المقاطعة ليست دوماً خطة بديلة جاهزة؛ هي أحياناً الشرارة الأولى لمشروع قادم لم يُصنع بعد.
-
شرعنة التزوير وتبخيس المقاطعة
يعترف الكتيب بأن أرقام المشاركة في انتخابات 2021 مبالغ بها: “أعلنت الحكومة نسبة مشاركة تقارب 41%… لكن كثيرًا من المراقبين اعتبروا هذه الأرقام مبالغًا بها.” (راجع الصفحة 44). ومع ذلك، يُلام المقاطعون، لا النظام الذي زور ! يبدو هنا أن فعل المقاطعة هو المشكلة ، لا التزوير الذي أفرغ الانتخابات من مضمونها.
تظهر عبارة “لا يمكنك أن تفوز إن لم تشارك” في الصفحة 25 من الكتيب وهي عبارة سطحية لا تنتمي إلى الحقل التحليلي السياسي، بل إلى دعاية سلطوية. إنها ذات العبارة التي تسخدمها ديكتاتوريات لتبرير صورية العملية الانتخابية. فالمشاركة، في نظام مختل، ليست طريقاً للفوز، بل طريقاً لتزيين الفشل.
يستشهد الكتيب بتجارب عديد الدول من أجل أثبات أن خيار المقاطعة لا طائل منه. أسعى هنا إلى نقد الثغرات في هذه المقارنة بين أنظمة تبدو متباينة من حيث البنية السياسية:
أولاً: يستشهد الكتيب بالدول التالية:
غانا (1992)بنغلاديش (2014) فنزويلا (2005 و2018) زيمبابوي (2008) صربيا (1997 و2020) الجزائر (1999 و2019)
يتم الاستناد إلى هذه التجارب لإبراز ( إخفاق المقاطعة) أو ( تكلفتها الاستراتيجية) ، لكنه يُغفل تماماً أن هذه الدول على الرغم من الطابع السطلوي في بعضها لم تُبنَ على احتلال عسكري خارجي، ولا عرفت تفكيك الدولة المركزية لصالح نظام محاصصة عرقية وطائفية مفروض دولياً.
بالنسبة لي وللعارفين بالشأن السياسي العراقي، فإن العراق حالة استثنائية بالكامل: فهو بلد لم يُكتب دستوره بإجماع وطني، بل صُمم تحت إشراف الحاكم العسكري الأميركي (بول بريمر) وبضغط كردي أميركي، ووُلد مشوهاً، يعطي مثلاً ( حق الفيتو كما في المادة 142 من الدستور) لأقليم على حساب دولة اتحادية، ناهيك عن المادة 140 التي تخص المناطق المتنازع عليها، وكأنها تتحدث عن نزاع حدودي بين دولتين.
في الحقيقة لا توجد تجربة مشابهة أو مطابقة لهذا التركيب المعقد يستشهد بها الكتيب، مما يجعل أي مقارنة معها مضللة منهجياً ومغلوطة تحليلياً.
ثانياً: الاقتباسات التناقضية
الكتيب يقع في تناقض داخلي صارخ: في الصفحتين 5-6 يعترف بأن المقاطعة الانتخابية قد تكون استراتيجية ناجحة…. قد تؤدي إلى إصلاحات أو تغيير النظام. لكنه في نفس المقطع يقول : المقاطعة قد تأتي بنتائج عكسية وتفقد المعارضة تمثيلها !
هذا بالطبع تناقض جوهري: إذا كانت المقاطعة قد تنجح وقد تفشل حسب السياق، فلماذا يتم استخدامها كحجة لتجريم خيار المقاطعة في العراق تحديداً؟ لماذا لا يُقدم العراق كــ ( حالة تحتاج قراءة مختلفة) بدل فرض نتائج مسبقة؟
ثالثاً: إسقاطات غير منطقية لتجارب خارجية على الحالة العراقية
- تجرية الجزائر (1999)
يقول الكتيب أن المعارضة انسحبت وبوتفليقه فاز وحده، ولهذا السبب يعتبر أن (المقاطعة لم تؤدِ إلى تغيير). لكن في 2019 قاطع الشارع الجزائري والأحزاب مجدداً وسقط بوتفليقة وانهار جزء كبير من منظومة الحكم.
المفارقة هي أن الكتيب يذكر هاتين الحالتين لكنه لا يعترف بالعلاقة بين المقاطعة الأولى والثانية، وكأن لا ترابط سياسي بين موجة أولى تمهد لثانية.
- مثال فنزويلا (2005)
المعارضة قاطعت البرلمان وندمت لاحقاً. لكن في عام 2018 المعارضة قاطعت الانتخابات الرئاسية ونجحت في نزع شرعية مادورو دولياً، ووصل الأمر إلى اعتراف دول كثيرة بزعيم المعارضة خوان غواديو. يستخدم القائمين على الكتيب هنا حالة 2005 لتجريم المقاطعة ويتجاهلون 2018 رغم أنها حديثة وأكثر تأثيراً !
رابعاً: غياب تجربة العراق 2018-2021:
إن الانتخابات العراقية الأخيرة 2021 شهدت أدنى نسب تصويت حقيقية في تاريخ العراق، رغم الترويج الرسمي. لقد رفضت انتفاضة تشرين الانتخابات بعدما أسقطت حكومة عادل عبد المهدي التي أجهضت الحراك بالرصاص الحي، لأن الانتفاضة مست عصب السلطة. ومع ذلك لم يطرح الكتيب هذه المقاطعة كجزء من تحليل استراتيجي. وهذا تغييب متعمد للسياق الذي ينتمي إليه القارئ العراقي، وعلى الرغم أن الكثير من الحركات التي تشارك في الانتخابات تتعكز على انتفاضة تشرين بوصفها حركة معارضة شعبية حركت السواكن وانتجت فورة من الوعي الشعبي الاحتجاجي. السؤال هنا: إذا كانت انتفاضة تشرين بمعناها المعارضاتي انتفاضة فاشلة، فلماذا تدعي الكثير من الأحزاب الناشئة إنها تمثل هذه الانتفاضة، ولا تعتمد على ذاتها وخيار المشاركة من دون الإشارة إلى الحراك التشريني المعارض؟
من الواضح أن الكتيب يوظف التجارب الدولية لا كمادة تحليلية منهجية، بل كأدوات دعائية ناعمة لتبرير موقف مسبق من المقاطعة. يُقاس العراق في الكتيب على دول لم تعرف احتلالاً مباشراً ولا تفكيكاً مؤسساتياً ولا نظاماً طائفياً مشوهاً ولا تدخلات دستورية أجنبية.
وبالتالي، فإن استخدامه لهذه الأمثلة هو قياس باطل، يغفل خصوصية الحالة العراقية، ويحول النقاش من نقد النظام السياسي الفاسد إلى محاكمة فعل المعارضة السلمية.
في سياق مثل العراق، حيث تتكرر الانتخابات من دون تغيير ، وتُعاد الوجوه والسياسات ، تكون المقاطعة فعلاً واعياً وموقفاً أخلاقياً، لا انسحاباً. هي شكل راقٍ من المقاومة السلمية، لا ضعفاً. هي نزع للشرعية عن واجهة ديمقراطية زائفة، لا تهرباً من المواجهة.
إن محاولة إقناع الناس بالمشاركة في انتخابات (لا تؤثر نتائجها على شكل الحكم أو على توزيغ السلطة الحقيقية ولا على مستوى الخدمات والإعمار)، ليست دعوة للانخراط، بل دعوة للانخداع.
إن النظام السياسي في العراق لم يكن يوماً نتيجة لتوافق وطني حر، بل خرج من رحم الاحتلال الأميركي عام 2003 ، مفصلاً بدقة على مقاسات المحاصصة ، والطائفية، والإثنية، والمكونات، في صيغة لا تنتج حكماً راشداً، بل تضمن إعادة تدوير الولاءات وتكريس النفوذ المُتقاسم. يجب أن نشخص بدقة أن النظام الحاكم في العراق هو نظام ريعي فاسد، بنيةً وثقافةً، يوزع السلطة كما توزع الغنائم، لا كما تُبنى الدول.
وفي ظل هذا النظام، الذي أهدر مليارات الدولارات ولم يستطع حل مشكلة الكهرباء وحدها، تتصرف الأحزاب كأن الوطن ملكاً لها ويتصرف الإقليم الكردي كدولة مستقلة ويصدر النفط ويملي شروطه على بغداد مستنداً إلى نصوص دستورية كُتبت بأياد أجنبية تمنحه فيتو فعلياً على أي مشروع وطني حقيقي. هذا الدستور المشوه الذي يُستدعى عند اللزوم، ويُعطل عندما يتعارض مع مصالح القوى المتنفذة، ليس عقداً اجتنماعياً، بل عقد إذعان.
أما الأحزاب المدنية أو التي تدعي المدنية وعلق بعض الناس آمال التغيير عليها، فقد أثبتت التجربة بكل أسف أنها تعجز عن مقاومة غواية السلطة. ما إن تدخل البرلمان أو الحكومة حتى تذوب وتكتفي بالشعارات وتلتزم اللباقة أمام منتهكي الدولة.
من هنا، لا يمكن انتظار نهضة عراقية حقيقية من داخل هذا الإطار المهترئ. فالمراهنة على الانتخابات ضمن هذه المنظومة ليست سوى رهان على وهم. هي إعادة تدوير للمشهد المأساوي نفسه، وإن تغيرت بعض الوجوه. ولهذا، فإن كل يوم يتأخر فيه الشعب العراقي عن خوض معركة التغيير الجذري الواقعي، هو يوم يُمنح فيه هذا النظام شرعية إضافية، ويهدد مستقبل العراق.
الحل ليس في التجميل، بل في المقاطعة الشعبية الواسعة. وليس في التفاوض على فتات الإصلاح، بل في بناء مشروعي وطني جديد: مشروع يدفن نظام المحاصصة، ويؤسس لدولة المواطنة والعدالة الاجتماعية ، عبر حراك جماهيري واسع وضاغط ومنظم ، لا يهدأ إلا حين تُنتزع السلطة من أيدي الفاسدين وُعاد إلى الشعب.
ذلك هو معنى المقاطعة اليوم: ليس انكفاءً، بل تمهيد لانبثاق سياسي جديد وترفع عن المساهمة غير الأخلاقية في دعم نظام مبني على أساس نظام أولغارشي تبعي فاسد.
إن دعوة المشاركة في انتخابات يُهيمن عليها نظام سياسي مأزةم بنوياً، ويعاني من خلل دستوري ومؤسساتي عميق، هي محاولة يائسة. فالمشاركة في ظل غياب شروط التنافس الحقيقي والعدالة الانتخابية لا تُعد ممارسة ديمقراطية، بل شرعة ضمنية لبنية فاشلة تحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية، لا إلى التجميل عبر صناديق اقتراع معروفة النتائج سلفاً.
لنفترض جدلاً أن هناك عشرات المدنيين الصادقين يسعون للتغيير عبر الانتخابات، فإن الواقع يُظهر غياب أي مشروع حقيقي لديه. لا أحد منهم يقترب من جذور الأزمة: لا حديث عن إعادة كتابة الدستور ، ولا عن التمرد الكردي الذي ينتهك السيادة والثروة الوطنية ، ولا عن غياب هُوية وطنية جامعة أو رؤية اقتصادية واضحة، ولا عن الهيمنة الأجنبية من دون تحيز لدولة دون أخرى. هم يتجاهلون مواطن الخلل الحقيقية ، لا سيما المحاصصة التي أسسها الدستور تحت شعار المكونات ، هم يتجاهلون غياب النظام والقانون، ويريدون الإصلاح بنفس أدوات النظام! التغيير عند هؤلاء يُختزل بنائب ( مدني) يلمع في الإعلام ويكتب منشورات عاطفية على وسائل التواصل . هذا ليس وعياً سياسياً ، بل انحدار مدوً في فهم أعطاب السياسة العراقية.
من هذا المنطلق، أرى أن هذه الدعوات الآنية ليست بريئة ، ولو كانت كذلك لظهرت في سياقات بعيدة عن اقتراب الانتخابات. أما وأنها لا تنبع إلا حين تدق ساعة الاقتراع، فإنها تعكس بوضوح طابعاً نفعياً ظرفياً يفقتر إلى العمق البنيوي أو المشروع السياسي المتكامل. إن دعوات اللحظة الأخيرة للمشاركة لا تنطلق من رؤية نقدية إصلاحية للنظام السياسي، بل من حسابات ضيقة تتغذى على أوهام التمثيل، وتخدم في المحصلة إعادة إنتاج النظام نفسه، بدل خلخلته أو مساءلته. هذه الحملات الطارئة أشبه ما تكون صوت إسعاف يحاول إنعاش شرعية مختلة، لا بصوت إصلاحي يريد إنقاذ وطن من نظام معطوب.


