المقدمة:
تحفل الرواية العراقية المعاصرة بمساحات سردية متشابكة تنقل القارئ من فضاء البطولات الفردية إلى بطولات جماعية تعكس نبض المجتمع وتعقيداته. وفي رواية “عوعو” للروائي حميد الكناني، لا يتوقف السرد عند تتبع مصير الشخصية الرئيسية، بل يتجاوزها ليستحضر أبطال الظل وأصوات المكان التي تشتبك مع الواقع بكل ما فيه من ضجيج وتعدد وصراع. الزقاق، بما يحمله من دلالات اجتماعية وثقافية، والبطل الثانوي، بما يجسده من تجارب إنسانية عميقة، يقدمان محورين أساسيين في فهم هذه الرواية التي تُروى كأنها مشهد حي.
*البطولة الجماعية
اختار الروائي حميد الكناني أن يسلط الضوء على زقاق شعبي يُعرف بـ”عوعو”، لما يحمله من صخب وازدحام وصراعات يومية، ليكون خلفية سردية نابضة بالحياة. على الرغم من أن البطولة المحورية أُسندت إلى شخصية “فادي”، فإن الأحداث تتوزع وتتفرع لتمنح الشخصيات الثانوية دورًا بارزًا يفوق أحيانًا دور البطل نفسه، مما يجعل من الرواية نموذجًا للبطولة الجماعية بامتياز.
ففي رواية “عوعو”، تستحق الشخصيات الثانوية – بكل ما تحمله من عمق وتجذر في الواقع – جائزة “أفضل بطل ثانوي” لو كانت الرواية تُحاكم بمنطق السينما، فهي لا تكتفي بكونها مكملة، بل تحمل الرسالة وتدفع الحبكة إلى الأمام.
*ألفة المكان وتحولاته:
منذ الصفحات الأولى، يُدخلنا الكناني في نسيج المكان، حيث يتحول “عكد عوعو” من مجرد زقاق شعبي إلى رمز يحمل دلالات اجتماعية وسياسية عميقة. المكان هنا ليس مجرد مسرح للأحداث، بل شخصية قائمة بذاتها، تنبض بالحياة، وتتبدل بتبدل الزمن والمواقف. فقد كان العكد مزيجًا من الانتماءات القومية واللغوية، ومكانًا لتعايش فريد، إلا أن هذا التعايش لم ينجُ من آثار التنافر السياسي والتسلط، فتحوّل تدريجيًا إلى مكان طارد لأهله.
*اختفاء فادي
يختفي فادي – بطل الرواية – مبكرًا من السرد الفعلي، إلا أن ظلاله تبقى ماثلة في خلفية الأحداث، خصوصًا بعد أن تسبّب اختفاؤه في مأساة عائلية تمثّلت بموت والده، وعيش والدته في رعب دائم خشية الانتقام منها عبر بناتها. تحوّلت الرغبة في الهرب من الزقاق إلى ظاهرة اجتماعية بسبب الحروب والتحولات السياسية، وبرز “عوعو” كاسم ملتصق بذاكرة المدينة والناس.
*البطولة الثانوية وحضورها الفعّال:
من بين أبرز الشخصيات الثانوية التي تلعب دورًا فاعلًا في الرواية، تبرز شخصية “عبد عون” القادم من بغداد، الذي كان المحرض الرئيسي لفادي على الهروب من الزقاق. يُقنعه بأن المدن الصغيرة ليست سوى مدافن للأحلام، وأن مستقبله الحقيقي في العاصمة. وقد أدى هذا الاختفاء إلى استنفار أمني كثيف في العكد، وبدأت المداهمات والاعتقالات، مما فاقم من تردي الوضع العام.
*شخصية سمير
شخصية مؤثرة أخرى هي “سمير بن الأسطى”، الذي يمثل قصة حب عذبة ومأساوية مع “زنوبة”. تنتهي القصة بالزواج، لكن الحرب تسوق سمير إلى جبهات القتال، وهناك يلقى حتفه بعد أن يعلن قناعاته بأن الدفاع عن الوطن لا يحتاج إلى تكريم. تتحول زنوبة إلى أرملة شابة تكافح وحدها، مثقلة بالحزن ومسؤولية تربية طفليها، في ظل مجتمع تتقاطع فيه القيم والتقاليد والوجع.
*الخلاصة
برع حميد الكناني في نسج رواية متكاملة الأركان، يتداخل فيها المكان بالشخصيات، وتذوب البطولة الفردية في جماعية حافلة بالتفاصيل الواقعية والتجارب الإنسانية. رواية “عوعو” ليست مجرد قصة عن زقاق شعبي، بل هي مرآة لوطن يئن تحت وطأة التسلط والانقسام، وتكريس لصوت الشخصيات الثانوية التي تتحول إلى القلب النابض للسرد. إنها رواية تُقرأ كأنها فيلم سينمائي حيّ، بتقنيات سردية عالية ووعي فني أصيل
*القراءة نقدية
في فضاء الأدب العراقي، تبرز أعمال أدبية تُجسّد التحولات السياسية والاجتماعية بعين نقدية وحسّ إنساني. ومن بين هذه الأعمال رواية (عو عو) الزقاق الصاخب للروائي حميد الكناني، التي تأتي كوثيقة سردية مفعمة بالاحتجاج والمرارة، وتشكّل بنية سردية مكثّفة تُسلّط الضوء على الواقع الاجتماعي والسياسي لحقبة من أشدّ الحقب سواداً في التاريخ العراقي المعاصر.
*قراءة في العنوان وبنية المكان:
يُشكّل العنوان في هذه الرواية عتبة نصيّة دالة، فهو لا يكتفي بالتسمية بل ينطوي على إشارة أولى لطبيعة الرواية البيئية والمكانية. فـ”عو عو” ليس مجرد اسم ساخر، بل هو اسم زقاق حقيقي في مدينة الحي بمحافظة واسط، يتميز بالصخب والتوتر، مما يعكس الأجواء التي تسود فيه. الصراخ والضجيج في العنوان يحيل إلى حالة الغليان الشعبي تحت حكم قمعي، ويُمهّد لفهم السياق النفسي والاجتماعي الذي تعيشه شخصيات الرواية.
“يوصل الزقاق المكتظ إرسال أصواته الصاخبة إلى الأزقة المجاورة الملاصقة، فلاتت هذه الوصفة ماازمة له، فأطلق عليه ((عكد عوعو)) هو زفاف ضيق ملتو بانحنائة كحدبة في ظهر عجوز يمتاز بقصره، وصغر مساحات بيوته الواطئة التي تتلاصق حجراتها، وكل بيت على نخلة باسقة تناطح الفضاء، كأنما تسير تلك النخلات إلى عمر( العكد) الشهير في المدينة الصغيرة”
*الزقاق بوصفه كياناً سردياً:
الرواية تُبنى على فضاء مكاني محصور لكنه نابض بالحياة؛ زقاق صغير يتحول إلى مرآة للمجتمع العراقي، ويغدو شاهداً على القمع، والخوف، والمقاومة. من خلال شخصيات متعددة، مثل “نوح” الشقي و”أم خليل” العرّافة التي تستقبل الأمهات الثكالى، تتوسّع دائرة الحكي، وتتشابك مصائر الأسر التي تسكن هذا الزقاق، في سردية تتسم بالعمق الإنساني والواقعية النقدية.
*الأسرة والسلطة: صراع الوجود والكرامة
تدور بؤرة السرد حول عائلة “فادي”، الشاب الذي تحاصره السلطة ويُطارده جهازها القمعي، فيصبح رمزا للتمرد والصمود. ويبرز والده “راضي” كشخصية تحمل عبء الصراع الأبوي مع دولة لا ترحم. في المقابل، تخوض الأم معركتها الخاصة من أجل حماية ابنتيها من خطر الاغتصاب الذي تستخدمه السلطة كأداة إذلال وانتزاع اعترافات. في هذا الإطار، تتجلّى الرواية كمرآة حقيقية لمعاناة الإنسان في ظل السلطة الشمولية.
*التحول السياسي: من الزقاق إلى الوطن
تنتقل الرواية بسردها من الحيز الضيق للزقاق إلى فضاء الوطن الكبير، عبر تصوير انتفاضة جماهيرية تفتح أفقاً جديداً للأمل والانعتاق. وتصبح مشاركة سكان “عو عو” في هذه الانتفاضة دليلاً على أن النضال المحلي يمكن أن يتحول إلى فعل وطني شامل. مشهد اقتحام السجون وتحرير المعتقلين، الذي يرد في نهاية الرواية، يرمز إلى كسر القيد، وانتصار الحلم الجماعي على الرعب المؤسساتي.
*البعد الفني والسردي:
اعتمد الكناني على السارد العليم، الذي يُمسك بخيوط الحكاية من بدايتها حتى نهايتها، ما أضفى على النص بُعداً توثيقياً متماسكاً. الرواية، برغم طابعها الواقعي، تحمل قدراً كبيراً من التخييل المدروس الذي يمنح الشخصيات طابعاً إنسانياً بعيداً عن التقريرية. أما الأسلوب، فجمع بين السلاسة والعمق، وبين النقد المباشر والرمز، مما أتاح للرواية أن ترصد مأساة جماعية دون الوقوع في فخ المباشرة الخطابية.
*الخاتمة:
رواية (عو عو) الزقاق الصاخب ليست مجرد حكاية من زقاق شعبي صاخب، بل هي صرخة احتجاج ضد زمن الجدران المغلقة والسجون المفتوحة، وسجلّ سردي يوثّق معاناة الناس العاديين في مواجهة سلطة غاشمة. من خلال تصوير دقيق ومؤلم لمجتمع يرزح تحت القهر، يقدم حميد الكناني رواية شاملة تكتب بعضاً من سيرة الوطن المنسيّ، وتعيد الاعتبار للمكان المهمّش كحامل حقيقي لذاكرة الألم والمقاومة.


