يبدو أنّ الجولة الأخيرة من المواجهة العسكريّة الشّاملة والمباشرة، ما بين العدوّ الاسرائيليّ وبين الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، قد وضعت أوزارها. أو هذا ما يظهر إلى الآن. فهل نحن أمام توقّف دائم للأعمال العدائيّة ما بين الطّرفين، كما يريد أن يوحيَ بعض حديث ترامب، أم أنّنا أمام مجرّد جولة ستليها جولات أخرى ـ عاجلاً أم آجلاً؟
ما الذي حدث تحديداً، ليلة الاثنين إلى الثّلاثاء الماضي، بين إدارة ترامب والقيادة الايرانيّة والرّئيس بوتين والقيادة الصّينيّة؟ لماذا لمّح ترامب بالكلام حول «عامل صينيّ» مُعيّن في بعض تصريحاته الأخيرة؟ هل سيصمد اتّفاق كهذا أمام تعقيدات جوهريّة… لا سيّما في ما يعني إصرار طهران على حقّها في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، ورفض الإدارة الأميركيّة لذلك (أقلّه ظاهراً)؟
كلّها أسئلة مشروعة، ونرجو أن تظهر لنا بعض الأجوبة عليها في ما سيأتي من اللّيالي والأيّام والأحداث. ولكنّ الأكيد، كما أشرت في كتابات سابقة، هو أنّ الجمهوريّة الاسلاميّة قد ظهرت ـ في هذه الحرب ـ بمظهر «الحُجّة» على باقي دول ومنظّمات العالمَين الاسلاميّ والعربيّ: حُجّة أخلاقيّة وقِيميّة أوّلاً في ما يخصّ موقفها الثّابت والواضح من قضايا الأمّة وعلى رأسها القضيّة الفلسطينيّة؛ وحُجّة أخلاقيّة وقِيميّة ثانياً في ما يخصّ صدقها تجاه قضيّة تحرّرها الوطنيّ وتجاه قضيّة كرامتها الوطنيّة.
علينا ألّا نسمح للفلسفات المادّيّة على اختلافها أن تُنسيَنا النّقطة الجوهريّة التّالية: إنّ «الفتح» هو أخلاقيّ وقِيَميّ وروحيّ أوّلاً… وقبل أيّ شيء آخر.
وبعد ذلك، فالحديث قد يطول، ولكنّني أودّ التوقّف عند النّقاط الأساسيّة التّالية في ما يعني الحرب مع هذا العدوّ بشكل عامّ، لا سيّما في ضوء الأحداث الأخيرة:
أوّلاً: لا شكّ واقعاً في أنّ هناك قفزةً أو موجةً تكنولوجيّة عميقة ـ غير اعتياديّة الطّابع والعمق ـ قد حدثت خلال السّنوات القليلة الماضية. وقد بدّلت موازين القوى العسكريّة التي كانت قائمة ـ في المنطقة خصوصاً ـ منذ ما بعد حرب تمّوز 2006 بشكل عامّ. على منظّمات ودول المقاومة برأيي: العمل سريعاً على تطوير طرق مواجهة جديدة وملائمة. لا أعتقد أنّ الـ Gap ـ أيّ الفجوة ـ الحاليّة يمكن محوها أو تجنّبها مطلقاً في المديَين القريب والمتوسّط، ولكن، يمكن العمل أقلّه على بعض الجوانب النّسبيّة الكفاءة ـ هجوميّاً ودفاعيّاً ووقائيّاً واستخباريّاً. لا مجال للشكّ أو للتّشكيك في هذه النّقطة وفي ما تعنيه على المستوى الفكريّ وعلى المستوى العمليّ معاً.
أمّا سؤال «ماذا عند الصّين»؟ وماذا لديها في هذا المجال… وماذا يمكن أو ماذا تريد الصّين أن تمدّ به بعض حلفائها أو أصدقائها: فهذا موضوع يتوجّب التعمّق فيه أكثر في هذه المرحلة الجديدة. وإنّ دولة مثل إيران أدرى بما يمكن فعله طبعاً، ولكنّ على الجميع في اعتقادي التّحضير واعداد العدّة… كما لو أنّ الصّين ليست موجودة («إلى حين» ربّما وأقلّه…).
ثانياً: غير أنّ إيران تحديداً، قد فاجأت الجميع أيضاً، وفي إطار ليس ببعيد عمّا سبق من زوايا. تجلّت هذه المفاجأة واقعاً من خلال ظهور تطوّر تكنولوجيّتها الصّاروخيّة والجيوفضائيّة ـ والمهمّ إلى حدّ كبير نسبيّاً ـ أمام العالم أجمع. بخلاف ما رأيناه ربّما خلال حرب لبنان الأخيرة ـ وإلى حدّ لا يُستهان به ـ نستطيع أن ندّعي اليوم أنّ «الجمهوريّة الاسلاميّة» قد أثبتت أنّها عملت بجدّ وبكفاءة على خلق تفوّق نسبيّ مهمّ ـ وواقعيّ وملموس ومُثبت ـ في هذا المجال. وبات من الواضح أيضاً أنّ «اسرائيل» وحلفاءها ما كانوا ليوقفوا هذه المواجهة الأخيرة كما أوقفوها… لولا وعيهم، التجريبيّ الملموس، لما يمثّله هذا التفوّق الصّاروخيّ الايرانيّ النّسبيّ من خطر على الكيان ككلّ (وعلى بعض الحلفاء الآخرين ضمنيّاً).
وإذا ما تذكّرنا، علميّاً ومفاهيميّاً، أنّنا لا زلنا ضمن إطار حروب غير متماثلة، فالنّقطة التّالية واضحة أيضاً في اعتقادي…
ثالثاً: لا شكّ في أنّ «الجمهوريّة الاسلامية» قد فاجأت الجميع كذلك من خلال: (1) تماسك قيادتها وصبرها وبرودة أعصابها ووعيها وثقتها المادّيّة والرّوحيّة، لا سيّما في ما يخصّ سيّدها القائد ووليّها المجاهد، آية الله العظمى المرجع السّيّد علي الخامنئيّ، والذي استوعب الضّربة الأولى سريعاً، والمخطّط لها منذ سنين ومن قبل دول عظمى… قبل أن يظهر مجدّداً بمظهر صاحب المبادرة العسكريّة والسّياسيّة إلى حدّ لا يستهان به أبداً. (2) ثبات قوّاتها المسلّحة وحرسها الثّوريّ ومؤسّساتها الأمنيّة والعسكريّة بشكل عامّ، وتماسك «تعبئة المستضعفين» لديها، والوحدة النّسبيّة لشعبها ولنخبها في وجه عدوان كهذا. (3) جرأتها على مواجهة الدّول الاستعماريّة العظمى مجتمعة، وكانت ضربة «العديد» الإشارة الواضحة للجميع بأنّ إيران دولة مقتدرة… عائدة لا محالة إلى صفوف الدّول العظمى بالمعنى المادّيّ البحت أيضاً، عاجلاً أم آجلاً.
رابعاً: مجدّداً، وخصوصاً بعد هذه الحرب، أعتقد أنّ سؤال «بناء الدّولة VS التّحرّر الوطنيّ» بات أسهل الحلّ في إيران… ولكنّه أمسى أصعب الحلّ في أغلب بلاد المنطقة للأسف، لا سيّما في لبنان. فكيف يُمكن «بناء دولة» جدّيّة… ونحن خاضعون للمُستعمر؟ هل من الجدّيّ الحديث، كبعض اليمين اللّبنانيّ مثلاً، عن «بناء الدّولة»… في ما يتغلغل العامل الأميركيّ أكثر فأكثر في قرارنا اليوم؟ هذا السّؤال الشّائك… أضعه بين يدي القارئ العزيز، لأنّه يحيّرني حقّاً: فهل من المعقول تصديق أنّ الاستعمار سيحكمك ويبني لك مع ذلك… «دولاً» حقيقيّة؟ قد تكون الأمور عندنا أكثر تعقيداً بكثير منها في «الجمهوريّة الإسلاميّة»… بعكس ما يظنّه الكثيرون. وقد أكون مخطئاً تماماً: إذ أنّ هناك ربّما حلولاً أخرى لهذه المعضلة لا أراها أو لست عليها من المطّلعين.
أخيراً وليس آخراً: أعتقد أيضاً أنّ على منظّمات وقوى ودول المقاومة أن تبدأ بالتّفكير في الطّريقة الأمثل: لإخراج «الحَرَكة المقاوِمة» في المنطقة عموماً من أيّ شُبهة مذهبيّة أو طائفيّة وقدر الامكان. العمل على هذه النّقطة، في المستقبل المتوسّط والبعيد، لا سيّما في البلاد التّعدّديّة ضمن منطقتنا، هو ذو أهميّة استراتيجيّة من وجهة نظري. فقد استخدمت القوى الاستعماريّة هذه الزّاوية إلى حدّ بعيد لزعزعة المنطقة ولخلق أجواء حاقدة عمياء على حركات المقاومة وعلى إيران «الجمهوريّة الإسلاميّة».


